عميد الأسرى الفلسطينيين

blogs - نائل البرغوثي
"نحن لسنا إلا جنود عائدون إلى قواعدنا"؛ عبارة أطلقها بعفوية أقدم أسير فلسطيني على وجه الأرض – حسب ما ذكرت موسوعة غينيس "نائل البرغوثي "؛ وقطعا لا تهمنا لغة الأرقام ولا موسوعة غينيس؛ لأن حساباتنا تختلف عن حساباتهم؛ فهم يهرعون خلف "أطول" أو"أكبر" كأرقام؛ القوة والعظمة ليستا في ضخامة الشيء وعرضه وطوله؛ بينما نحن نلهث بلغة حساباتنا خلف كم مرة كان وجبة وحشية، كم مرة طالع الشمس، كم مرة نام بلا ضجيج السجان، كم مرة استنشق هواء نقيا، بل كم من يوم مر عليه بلا وجع في الروح أو عطب في الجسد.


ولا نهاية لتلك التساؤلات المتكتلة حيرى في أعطافنا ونحن أمام أسير قضى ستة وثلاثون عاما في زنزانة إسرائيلية، "نائل البرغوثي" عميد الأسرى الفلسطينيين ساقته الأقدار إلى السجون الإسرائيلية بتاريخ 4/4/1978، حين كان شابا يافعا في 19 من عمره، فقد خرج في صفقة "وفاء للأحرار" ليشم لأول مرة هواء العالم خارج تلك العلب الضيقة التي اختزلت حاسة شمه طوال تلك السنوات المتعثرة من علبة إلى أخرى مصاحبا معه إرادته القوية وعزيمته السامقة وحبه اللامحدود للوطن، مقتفيا آثاره – دون شك – قيود الذل الإسرائيلية وسلاسل التعذيب المستمر.

في فترة ما، تعدى السجان الإسرائيلي على البرغوثي بالضرب المبرح؛ لأنه احتج ورفض عمليات التفتيش العارية التي اعتادوا على القيام بها بين حين وحين.

وحينما خطى أول وهلة على أرض الحرية بعد الأسر؛ فمن يا ترى كان ينتظر؟ وأي وجه يتوق له، وأكاد أتخيل قائمة منتظريه؛ أمه غادرته في عام 2005م وقد سبقها والده عام 2002م، وتلك الأم كانت تؤمن بخروجه مهما طال الزمن، إنه قلب الأم ساعة ينبض بالأمل، فتركت له نصيبه من مصاغها الذهبي لعروس بكرها "نائل" وأغنية في عنق نساء القرية كي ينشدنها له يوم فرحه.

لكن أعظم ما خلفته له الأم هو الوطن، فأمه الوطن وأباه الوطن وأخوته الوطن، زوجته الوطن وأبناؤه الوطن وأحفاده الوطن، بل عمله ورفاقه وأحلامه ورصيده في هذه الحياة جلها ملتصقة بمفردة "الوطن"، هذا هو "نائل البرغوثي" وبياناته الشخصية، الذي حجز شابا ليعيدوه إلى وطنه رجلا خمسينيا؛ أبهّة لا تليق سوى بوطن، وهي المفردة الحقيقية والوحيدة التي عاشرها البرغوثي خلال ذلك الماضي السحيق حتى لحظة الإطلاق.

هؤلاء هم "الوطن" حقا، هم من عرف جيدا قيمة الوطن والتضحية في سبيله، أدركوا معاني الكرامة والحرية والمطالبة بحق الإنسانية والرفض الكلي والتام لأي خدش يعلو أرض الوطن، فأمعنوا النظر إلى "نائل البرغوثي"، إلى قلبه وعقله وحواسه؛ فهي وحدها تختزل المعنى الكلي والشامل لحكايا الوطن.

في فترة ما، تعدى السجان الإسرائيلي على البرغوثي بالضرب المبرح؛ لأنه احتج ورفض عمليات التفتيش العارية التي اعتادوا على القيام بها بين حين وحين، فما كان منهم حين تناهى إليهم احتجاج نائل الرافض إلا أن اعتدوا عليه وجعا وتحطيما، وزجوّا به في سجن إنفرادي؛ فصخب السجناء محتجين، وتفاعل غضبهم على ذاك الاعتداء فداسوا العلم الإسرائيلي.

سوف يخرج الأسير "نائل البرغوثي"، وهو لا يحمل في جعبته سوى ذاكرة عن طاحونة جدته التي احتفظ بها أهله كتذكار، فكم كانت عزيزة عليه كرائحة جدته، مع لوحة ورقية بريشته اختزل بها حكاية طاحونة الجدة.

ولهذا إن أبسط ما يمكن تقديمه لأسير حافل بتاريخ باذخ وبثقل تراب الوطن، هو أن يهبوه حياة يستحقها كمناظل حر، فنى أهم وأروع وأفضل سنوات عمره في المقابع إسرائيلية، إنه بطل حقيقي وفارس نبيل بلا شك.