روح الأسرة المفقودة

blogs - family

نفتقد في عصرنا الحاضر كثيرا إلى (روح الأسرة) فلقد شغلتنا جميع صروف الزمن عن الاستمتاع بروعة المجلس الأسري الجميل!، وصرفتنا ملهيات التقنية عن قضاء أوقات جميلة نتقاسم فيها خبز الحياة مع الأهل في جو أسري بهيج.

 

وهذا واقع مؤسف! فمن يشاهد أحوالنا اليوم سيجد بأننا أصبحنا أُسراً مفككة.. تداهم بيوتنا المخاطر من كل مكان لأننا ابتعدنا عن الإحساس بوجود الكبير، وتركنا الالتفاف حول بعضنا البعض في الأسرة، فكل واحد منا أصبح يأكل لوحده! ويجلس بمفرده! ويطأطئ رأسه على جواله! حتى أصبح الغريب قريبا! والقريب غريبا! وأصبحت المشكلات تنهش في الأسرة من كل مكان، فأصبح المراهق فينا لا يجد من يبوح له لأن والديه انشغلا عنه!

 

أصبح "أطفالنا" يعيثون (بلا وعي) في عالم التقنية بلا حسيب ولا رقيب! والكل منا يعرف المخاطر التي قد يشاهدها "أطفالنا ومراهقونا" بقصد وبدون قصد في تلك التطبيقات التقنية المتنوعة

ولا تجد المُراهِقة كذلك من تتحدث معه لأن الجميع قابعٌ في عالمه الخاص، ومشغولٌ بجوّاله! فأصبحت البنت تواجه خطر جرائم الأخلاق في باحة الصداقات الإلكترونية المُريبة! في ظلّ الانفتاح الكبير الذي نعيشه اليوم في عالمنا الخليجي والعربي؛ فبضغطة "زر" يمكن أن تحصل جريمة كبرى!

 

وأصبح "أطفالنا" يعيثون (بلا وعي) في عالم التقنية بلا حسيب ولا رقيب! والكل منا كما تعلمون يعرف المخاطر التي قد يشاهدها "أطفالنا ومراهقونا" بقصد وبدون قصد في تلك التطبيقات التقنية المتنوعة، فالأب مشغول بجمع المال! والأم منشغلة مع صديقاتها، وتحديثات الموضة! ومتابعة النجوم المزيفين أو كما يُسمَّون بنجوم الإعلام الجديد!

 

والشيء المهم الذي على الكثير معرفته هو أن المجتمع أصله فرد خرج مِن أسرة تتكون من أبٍ وأم، ليبني هذا الفرد ذاته أولا في أسرته.. ثم ينطلق ثانيا بعد أن تعده أسرته إعداد جيدا لبناء مجتمعه. وهكذا تبنى الأسر أسرة تلو أخرى لتكوِّن مجتمعا فاضلا ينتج لنا "حضارةً" عريقة لها جذورٌ ثابتة تقوم بشكل أساسي على الأسرة المبنية بشكل صحيح، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة" صححه الألباني. فالنبي صلى الله عليه وسلم يريد منا أن نبني أُسراً فاضلة لها بصمة مثمرة، وإيجابية في هذه الحياة.. ولن يكون سليما أن ننتج أُسراً مفككة واهنة لا معنى لها!

 

ولن يستقيم أن ننتج أسراً مجرمةً تُخرج لنا أبناءً مجرمين! يضرّون بنسيج المجتمع عبر بثّ أفكارهم الضالّة! وتوزيع سمومهم القاتلة! ونقول: بأننا نريد أن نزيد من سواد أمة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة! هذا لا يعقل! فالأسرة تحتاج إلى بناءٍ يكون أولا ببناء الأبوين، فعندما يكون الأب غير مؤهلٍ للتربية! والأمُّ جاهلة بأبسط أبجديات التربية! فيضر هذا بالأسرة كما قالت العرب (إذا كان ربُّ البيت ضاربا بالدف، فشيمة أهل البيت الرقص)! وحينها قبل أن نقول لهم: ربَّوا أبناءكم، فإن علينا أن نقول لهم: ربوا أنفسكم أولا على تحمل مسؤولياتكم الأسرية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته".

وعلينا أن نقول لهم أيضا: عليكم معرفة أدواركم، فدور الأب يختلف عن دور الأم، وكذلك الأبناء؛ كلٌّ له دوره.. وعلى الجميع أن يتحمل مسؤوليته ويعرف كيف يؤدي دوره في إكمال لوحة الأسرة بكل إتقان، لنُخرج للعالم أسرة مثمرة، تنشر (الحق والخير والجمال) لتبني بذلك "حضارة" يظل صداها مسموعا مدى الحياة.

 

ولكي نؤسس التلاحم الأسري فعلينا أن نبني روح التآخي في الأسرة.. فأسرةٌ يصمت أهلها هي أسرة مهددة بالهلاك والضياع! وروح التآخي تؤسس بالسماع، وكما تقول القاعدة في العلاقات (الإنصات أقوى في بناء العلاقات من الحديث) فالأبوين اللذين يجيدان الإنصات لبعضهما أولا، والاستماع بشغف لأبنائهم وبناتهم، والإحساس العالي بهم عبر تقبل أخطائهم، والعفو عن زلاّتهم – وقبل ذلك كله تفريغ وقت كبير لهم -..

 

الربط بين المرأة والأسرة والحضارة هو ربطٌ صحيح مهم، وذلك لأن المرأة هي نصف المجتمع، وهي التي تلد وتربي النصف الآخر، وبالتالي فإن قيمة الأسرة لا يمكن أن تكون بدون المرأة

فهذا سيجعلهم يشعرون بالأمان في المنزل، ويبوحون بكل أسرارهم، ويصاحبون آباءهم وأمهاتهم، مما يجعلهم يحبون الجلوس في منزلهم، ويتشاركون أكلهم وشربهم – بكل محبة – على طاولة طعام واحدة مما يجعلهم يشعرون بروح الأسرة، ويستمتعون بلقاء أفرادها والاستفادة من بعضهم البعض. خصوصا أن اللقاء لا يكون إلا في الحياة، ولو مات الإنسان فسيندم أهله كثيرا على كل تفريط فرطوه بعدم الجلوس معه، والاستمتاع بقضاء أجمل الأوقات برفقة حديثه الجميل.

 

والأسرة قضيَّتُها مهمة جدا لأنها عبارة عن (مجتمع صغير) ولذلك فإن الكثير من الجهات المسؤولة في المجتمعات أقامت وزارات خاصة بالأسرة، ووضعت ميزانيات كبيرة للعناية بالأسرة على النطاق الرسمي. أما على النطاق الخاص، فلقد تسابقت الكثير من الشركات والمؤسسات في المجتمعات الخليجية والعربية على ابتكار الكثير من الخدمات المجتمعية لصناعة الأسرة، وبناء المجتمع، إيمانا منهم بقوة تأثير الأسرة الإيجابي على المجتمع؛ إذا بُنيت بطريقة صحيحة.

 

وعلى نطاق دولة قطر، فلقد قامت مؤسسة "حضارة" – غير الربحية – والتابعة للسيد: عبد الله عبد الغني؛ بالعناية بقضايا المرأة والأسرة في المجتمع القطري والخليجي؛ إيمانا منهم بدور المرأة الكبير في بناء الأسرة ودور الأسرة السليمة الكبير في بناء تواصل حضاري بين الأفراد والأسر والمجتمعات.

 

والربط بين المرأة والأسرة والحضارة هو ربطٌ صحيح مهم، وذلك لأن المرأة هي نصف المجتمع، وهي التي تلد وتربي النصف الآخر، وبالتالي فإن قيمة الأسرة لا يمكن أن تكون بدون المرأة، وكما قال في هذا مدرب التنمية البشرية المعروف د. علي شراب: "المرأة التي لا تنجح في بيتها مهما ما نجحت في خارجه فهي لم تنجح بعد في الحياة!".

 

حكمة المقال: لا يمكن أن تصنع حضارة بدون أن تبني أسرة مثالية تقوم على أبوين ناضجين.