شعار قسم مدونات

الهوس بالإيجابية

blogs - happy

تنويه: في هذا المقال لا أقصد الإساءة به لأحد.

 

"ابتسم.. فالطاقة الإيجابية ستنتشرُ حولك بسرعة وسترى الأشياء تبيّضُ فجأة من غير مُقدمات، حاول أن تُقنع عقلك الباطِن بأنّك قادرٌ على اختراق الجِدار، اُكتب كلمة أنا أستطيع في ورقة خضراء وضعها تحت وسادتك وضعْ مُنبه ساعتك على الساعة السابعة صباحاً لترى الحياة أفضل، نَعم هي مفتاح الحياة الصحيحة، حاول أن تنظرَ إلى السماء بعين التفاؤل كعصفورٍ صغير يحاول الطيران ستشعرُ بأنها قريبة جدًا من قدميك. والكثير من هذه الكلمات الرنّانة، وأضفْ إليها القليل من الورود، والبالونات الصفراء ستكون حتمًا مُدرب تنمية".

 

انتشر في الآونة الأخيرة في الصُحف ومواقع التواصل الاجتماعي الكثير الكثير من مُدرِّبي التنمية ولا أعلم سبب انتشارهم في هذا الوقت بالذات، في حين عادت بي الذاكرة قليلاً عندما كُنت طفلاً خارجاً من صلاة عيد الأضحى مع أبي وأرى الكثير من الأشخاص يقفون في أماكن التجمُّع ممسكين بسكاكينهم، وأرى أحدهم فأقولُ لأبي: هل هذا الحلاَّق؟ فيبتسمُ أبي ويقول نعم، فأقولُ له ماذا يفعل هنا إذاً؟ فيقول: السوق يحتاج لكذا.. وهذا موسم.

 

"حاول بأنَّ تكون أكثر واقعية، وأكثر إنصافًا لذاتك، فأنت لا تحتاج لسماع تلك الجُمل لتصبح شخصا أفضل، بل اصنعها أنت لذاتك".

ولكن الأدهى من ذلك وأمر؛ أنني أرى فرض المجتمع لهم علينا في القنوات حين يستضيفونهم، فيسألونه ما معنى الإيجابية؟ فيُجيب بابتسامة صفراء: الإيجابية كذا وكذا (كلامٌ لا معنى له) وفي نهاية اللقاء يقول المُذيع شكرًا لك أتمنى أن الجميع استفاد من هذا الكلام الجميل الذي يبثُ السعادة والإيجابية.. وكأنَّ لسان حالهِ يقول: ربّي سامحني على هذه الكذبة.

 

فعلاً هي مهنة من لا مهنة له، رُبما لأنه كما قال أبي (السوق يحتاج كذا) أو رُبما سَئِمَ الناس من الحياة الضيقة فوجدوا هذا الأمر متنفسًا لهم، أو أنَّ عقولَ البشر أصبحت صغيرة لتصديق مثل هذه التفاهات، قرأتُ في إحدى الصُحف "مانشيت" في الصفحة الأولى ورد فيه انتقاد لهذا الأمر، وأنه يجب تقنين هذه المسألة وحيازة الرُخصة، و و.. إلخ. وفي الصفحة قبل الأخيرة دعاية لأحد مراكز التدريب التي تُعنى بهذا الأمر، رُبما لأنَّ هذه المهنة لا تتطلبُ شهادات أو خبرة في هذا المجال كما كُنت أظن، بل أنَّ الأمر أسهل مما أتخيّل. كل ما تحتاجه هو البحث في "غوغل" عن بعض الكلمات الرنانة التي يراها العامّة عظيمة مثل: (نعم للحياة، محاربة الفَشل، ابتسامة) وقراءة كتابين لكتّاب التنمية البشرية التي تُباع في المكتبات التي تَضع في زاوية الغلاف بلونٍ أحمر (الكتاب الذي بيعَ منه ٢٠ مليون نسخة).

 

يُقال بأنَّ أكثر الكتب انتشارًا لدينا هنا في الدول العربية، هي كتب الطبخ، والتنمية البشرية، وتفسير الأحلام، والسبب يعود إلى انشغالنا بهذه التوافه، ورُبما لأن هذه الكتب هي الطريق الأسهل والأسرع إلى تحقيق الأحلام المهترئة، أو ربما هناك أسبابٌ لا تعلمها إلا دور النشر التي قامت بنشر هذه الكتب.

 

تهافُت الناس على هذه الدورات وشراء الكُتب، جعل البعض يسيل لعابه في بناء مشروعٍ تجاري، قائمٍ على غسيل عقول الناس، وتخديرها وتحقيق مصالحه على القليل من الجُمل المرصوصة جيدًا والركض خلف مغريات الحياة سريعًا.

 

النصيحة الأخيرة:

"حاول بأنَّ تكون أكثر واقعية، وأكثر إنصافًا لذاتك، فأنت لا تحتاج لسماع تلك الجُمل لتصبح شخصا أفضل، بل اصنعها أنت لذاتك".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.