هل بات اختفاء الصحف الورقية مسألة وقت؟

مدونات الصحافة

قد تستيقظ يا صديقي صباح يوم من الأيام، فلا تجد صحيفة ورقية عريقة كانت تملئ السمع والبصر، تبحث عنها فلا تجد سوى أرشيف كبير من الأعداد التي وثقت مراحل زمنية مختلفة مرت على الوطن، وقد تصادف أثناء مطالعتك لعناوين الصحف غدا، أن صحيفة ما قررت بمحض إرادتها وبكامل قواها العقلية، أن تكون نسخة الغد هي النسخة الورقية الأخيرة!، لتبدأ بذلك عهدا جديدا مع صحافة من نوع آخر وبآليات آخري، هي الصحافة الإلكترونية .

مما لا شك فيه أن عدداً كبيراً من القراء العرب بدأ في العزوف عن قراءة الصحف الورقية، وقد يكون ذلك لعجزها عن ملاحقة الأحداث المتسارعة والمتجددة على مدار الساعة، الأمر الذى أدى إلى الاتجاه نحو الصحافة الإلكترونية والمواقع الإخبارية على الشبكة العنكبوتية، وبدأت صحف كبيرة في إطلاق مواقع إلكترونية لها، كصحيفة الأهرام المصرية التي أطلقت موقعها الإلكتروني في عام 1998، وغيرها من الصحف الورقية المختلفة في كل أرجاء العالم العربي .

يقول الدكتور المعز بن مسعود، الأستاذ الجامعي والباحث في علوم الإعلام والاتصال بالجامعة التونسية، في دراسة نشرها "مركز الجزيرة للدراسات" في السادس من ديسمبر من العام الماضي، أن عدد مستخدمي الإنترنت بلغ في العام 2015 نحو 140 مليون مستخدم عربي بينما لم يكن يتجاوز العدد حاجز 600 ألف مستخدم في العام 1997، وعلى النقيض فإن الصحف الورقية بدأت في التقليل من نسخها المطبوعة، ففي مصر -على سبيل المثال- انخفض عدد النسخ الورقية المطبوعة إلى 800 ألف نسخة فى عام 2015، بعد أن كان يقدر بنحو مليوني نسخة في عام 2010، وفى لبنان توقفت صحف كالسفير والنهار واللواء، نظرا للأزمات السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد .

إن الحل في بقاء الصحف الورقية، هو أن يكون التوجه نحو صحافة الرأي والمقال والتحليل والصحافة الاستقصائية، وابتكار مضامين جديدة تكون بمثابة مواد تفاعلية وتشاركية للأجيال الناشئة

لعل أهم التحديات التي تواجه الصحف الورقية هي ارتفاع تكاليف صناعة الورق وسعره والمواد الأولية، إلى جانب انخفاض مستوى التوزيع، الأمر الذى جعل صحف عريقة تعلن عن إيقاف نسختها المطبوعة، والاكتفاء بالنسخة الورقية، ولعل أهم وأول هذه الصحف هي صحيفة "كريستيان ساينس مينتور" الأمريكية التي خفضت من أعداد نسخها المطبوعة إلى 200 ألف نسخة، ذلك قبل أن تتوقف نهائيا عن الصدور ورقياً، واكتفت بموقعها على الإنترنت حيث يزوره نحو مليون مستخدم يوميا، وتعتبر صحيفة "الإندبندنت" هي أول الصحف البريطانية تحولاً للصيغة الرقمية بالكامل، وحتى كبريات الصحف الأمريكية لم تسلم من هذه التحديات، ومن أهمها صحيفة "نيويورك تايمز" التي تراجعت أسهمها بنسبة كبيرة بلغت 55 بالمئة، ما أضطرها إلى تخفيض رواتب العاملين بها بنحو 5 بالمئة، وتراجع أعداد محرريها إلى 1225 بعد أن كان 1330 محرراً، وفى فرنسا أيضاً توقفت صحيفة "فرانس سوار" التي اكتفت بنسختها الإلكترونية، بعد أن تراجعت مبيعاتها إلى أقل من 40 ألف نسخة يومياً .

وفى ظل التحديات الراهنة التي تواجهها الصحف الورقية فإن المستقبل يبدو للصحافة الإلكترونية، تلك التي بدأت في عام 1993، بعد أن أطلقت صحيفة "سان جوزيه ميركورى" الأمريكية نسختها الإلكترونية، لتكون بذلك أول صحيفة إلكترونية عرفها العالم، تلاها تأسيس صحيفتى "ديلى تليغراف" و"تايمز" البريطانيتين لنسختيهما الإلكترونية، وعربياً فإن أول المؤسسات الصحفية في إطلاق نسخها الإلكترونية كانت صحيفة النهار اللبنانية وذلك بالتزامن مع صحيفة الشرق الأوسط اللندنية في عام 1995، هذا بحسب الدراسة التي تمت الإشارة إليها، والتي كانت المصدر في غالبية هذه الأرقام .

يقول الدكتور المعز بن مسعود، أن الحل في بقاء الصحف الورقية، هو أن يكون التوجه نحو صحافة الرأي والمقال والتحليل والصحافة الاستقصائية، وابتكار مضامين جديدة تكون بمثابة مواد تفاعلية وتشاركية للأجيال الناشئة، ويقول الدكتور محمود علم الدين، رئيس قسم الصحافة بجامعة القاهرة، في تقرير نشرته "بوابة العين الإخبارية"، أن الصحافة بالفعل شهدت تطوراً كبيراً بعد انضمام وسائل جديدة لنقل الخبر، غير أن هذا التطور لن يؤدى إلى اندثار الصحافة الورقية أو اختفاءها، وأن مستقبل الصحافة الورقية يرتبط بقدرتها على التطور ومجاراة الصحافة الإلكترونية، عن طريق الاهتمام بما وراء الخبر من تحليل ومتابعات وأراء .

وعلى النقيض فإن فيليب ماير، مؤلف كتاب "النهاية الحتمية للإعلام الرقمي" يقول أن العام 2043 سيشهد صدور اخر صحيفة ورقية ! .. ورغم أننى شخصيا أتمنى ألا يحدث ذلك، فإن الشاعر العربي قالها قديما، ما كل ما يتمناه المرء يدركه.. تجرى الرياح بما لا تشتهى السفن…!