خذلان الموصل

The inhabitants of the eastern neighborhoods of the northern city of Aleppo are seen inspecting their belongings and houses, Syria, on 14 December 2016. The Syrian army claims they have managed to expel rebels from almost 99 percent of the eastern neighborhoods that have been under the rebels’ control since 2012.

وصل أعداد القتلى من المدنيين في الموصل إلى أكثر من ٤ آلاف، بحسب مصادر طبية، أما عدد الجرحى فغير معلوم، وذلك لأن معظم الجرحى عالجهم الأهالي لصعوبة نقلهم إلى المشافي، وبعضهم تحامل على جراحه وهرب نحو مخيمات النزوح، كما أنه لا توجد حصيلة مؤكدة للعدد الحقيقي لضحايا حرب الموصل، لا سيما أن المعارك الدائرة في الجانب الأيمن للمدينة، والذي وصفت المنظمات الحقوقية الدولية المجازر التي حصلت وتحصل هناك بأنها الأشنع في العصر الحديث.

هذا الكم من العائلات التي قتلت ودفنت تحت ركام منازلها جراء قصف التحالف الدولي والحكومي العراقي لم يتم تداوله في وسائل الإعلام على عكس أحداث أخرى، حيث لعبت "لوبيات السياسة" دوراً كبيراً في التضليل عن حجم الكارثة في الموصل، فكما هو متعارف، هناك لوبيان كبيران مسيطران على الساحة الإعلامية:
"الأول أميركي سني" و "الثاني روسي شيعي"، واللوبيان سلطا الأضواء على الحرب ضد تنظيم الدولة، دون الالتفات إلى ما صاحب تلك الحرب من انتهاكات ومجازر تسببَ بها صراع طرفَي القتال اللذين جعلا من أزقة الموصل وشوارعها ساحة حرب ضروس، قتل وتضرر خلالها أضعاف الضحايا من المدنيين، وأقل من ذلك بكثير من العسكريين.

في الآونة الأخيرة صار الإعلام الروسي يتحدث عن بعض الانتهاكات في الموصل "وحصراً" الانتهاكات والمجازر التي يرتكبها "ندّهم" الأميركي، فيما غضّ الطرف عن مجازر وانتهاكات الحليف، وما يزال الإعلام الأميركي والسني في وضع المدافع عن تلك الحرب، ومركّزاً على ما يرصده من انتهاكاتٍ لعناصر التنظيم، وبعض الرصد الخجول لفصائل الحشد الشعبي، وذلك لارتباطها بإيران.
 

ربما سحبَ التنظيمُ القواتِ المشتركة إلى الحرب داخل المدينة، ليحمّلها مسؤولية ما سيحصل، وربما أرادت القواتُ المشتركة ضرب عصفورين بحجر، وقتلَ السكانِ مع المسلحين بضربةٍ واحدة، ومن ثم إعلان الموصل مدينة منكوبة وينتهي كل شيء.

حرب الموصل التي يعد الخاسر الأكبر فيها سكان المدينة لن يكون هناك رابحٌ فيها، فإذا ما استثنينا المدنيين الذين عاشوا ظروفاً صعبة في عهد حكم التنظيم، بسبب أحكامٍ وتضييقاتٍ وحصارٍ وأمورٍ عدة لم يألفوها ولم يعتادوها، لن يكونوا أفضلَ حالاً في ظل حكمِ دولةِ الحشد أو "دولة الميليشيات"، فالسكان السنّة هناك لم يألفوا وجودَ جماعات سبق وأن قاتلها أبناؤهم في حربٍ داميةٍ طالت ثماني سنوات قدّمت فيها الموصل أكبرَ عددٍ من الضباط القتلى في الحرب، كما أنّ الوجود الإيرانيّ والشيعيّ "المتشدد" في المدينة يسبّب حساسية كبيرة لمعظم السكان الذين من المتوقع جداً أن يتصادموا معهم في حال حصولِ أيّ تماس أو أدنى استفزازٍ متوقّع.

أمّا طرفا القتال، وابدأ بتنظيم الدولة فما حققه التنظيم بالنسبة له يعدّ إنجازاً، حيث صمد عناصرُه فترةً أطولَ بكثير من الفترة التي صمدها الجيشُ العراقي عام ألفين وثلاثة، وخاض حرباً حقيقية، بالرغم من قلة إمكانياته، قياساً بإمكانية خصمه، بل وتغلب عليه في بعض الأحيان، كما ويُحسب للتنظيم أنه استطاع أن يكون ندّاً حقيقياً لدولٍ عظمى، بل وحتى هددها في عقر دياره.

أما ما يحسب عليه فإنه شريكٌ فيما يحصل للأهالي في الموصل، فلو سمح للسكان بالخروج على غرار ما حصل في معركتي الفلوجة الأولى والثانية، لكان كسب احترامَ وربما حتى تعاطفَ السكان، ولكانت الحرب أكثرَ شرفاً وبطولة، لكن هذا لم يتحقق وذبح الموصليين بسكينٍ أعمى، أما الطرف الآخر وهو خليطٌ من القوات العراقية والأجنبية وقوات التحالف إضافة إلى فصائل الحشد، فيُحسب له أنه أعاد ترتيب أوراقه، وشكّل قوةً من خليط دولي ومحلي ومدني وعسكري، قد يكون نتاجاً لعسكرة المجتمع، لكن في المحصلة تكوّنت قوةٌ عسكرية من عدة محافظات بعد انتكاسةِ عام ٢٠١٤ والهزيمةِ المذلة، وتمكنت هذه القوة من استعادة معظم الأراضي التي خسرتها القوات الحكومية.

بالرغم من أنّ الانتهاكاتِ التي صاحبت جميعَ المعارك كانت جسيمةً وترقى إلى أن تكون جرائمَ حرب، لكنْ كان بالإمكان تغييرُ النظرة عن الصور السابقة وإظهارُ صورة جديدة في الموصل، وكما يقال "العبرة في الخواتيم" حيث كانت هناك فرصةٌ لخوض حربٍ نظيفة وإنقاذِ أكثرَ من مليون إنسانٍ محاصر في الموصل من خلال عملياتٍ نوعيةٍ وحذرةٍ ومدروسة، لا سيما في الجانب الأيمن للمدينة، والذي احتشد فيه أكبرُ عدد من السكان، لكن ما حصل يعدّ انتكاسة حقيقية وخيبةَ أمل، أقلّها بالنسبة لمن كان يتأمل خيراً بالقوات التي وصفت نفسها "المحرّرة".

المدفعية الثقيلة والصواريخُ العشوائية والطائراتُ القاصفة لم ترحم السكان، ودفن معظمُهم تحت أنقاضِ منازلهم، وتعالت الصرخات المستغيثة بالله بعد أن انعدم الأمل بالبشر، فأشهرٌ من الحصار لم تشفِ غليل من أراد إبادةَ المدينة وسكانها، وربما سحبَ التنظيمُ القواتِ المشتركة إلى الحرب داخل المدينة، ليحمّلها مسؤولية ما سيحصل، وربما أرادت القواتُ المشتركة ضرب عصفورين بحجر، وقتلَ السكانِ مع المسلحين بضربةٍ واحدة، ومن ثم إعلان الموصل مدينة منكوبة وينتهي كل شيء.

يبقى السكانُ هم الخاسر الأكبر في المعادلتين، ولا ننسى إخفاق الإعلام بلعب الدور "الشريف" المطلوبِ منه في مثل هذه المعارك، إذ إنّ ما ساعد على ارتفاع عددِ الضحايا واستمرارِ الإبادةِ الحاصلة بحق العائلاتِ الموصلية وبحق مدينةِ الحدباء هو شهادةُ الزور التي أدلى بها الإعلام إلى الرأي العامّ، وتكتمه عن مجازر الموصل أو أخذها هامشياً على عكس تغطية أحداثٍ أخرى في مناطق أخرى في النهاية.. بأي وجه سيحتفل المنتصر؟ وأياً كان من يُخفي الجرائم عليه أن يدرك أننا عرفنا قصصَ الأقوام السابقة من آثارهم، وموصلُنا أوصلتنا للحقائق.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان