جوهرة في يد فحّام

blogs - مدينة اليمن
هو حال اليمن كما عنون لذلك الإعلاميُ السعودي تركي الدخيل لكتابه عن اليمن، وهي عبارة اقتبسها من الأديب والرحالة التونسي عبدالعزيز الثعالبي التي وصف بها اليمن في مطلعِ القرن العشرين.. طبيعة خلابة، وثروات متنوعة في باطن الأرض، وأرض خصبة للزراعة، وشعب مكافح، ومع ذلك تتوالى النكبات… حمقى يحكمون فيفسدون، فيثور عليهم حمقى آخرون فيسفكون الدماء ويرحلون.. يتعاملون مع الوطن وثرواته وكأنهم لصوص وقع في أيديهم كنزٌ وأهل الكنز يلحقون بهم من ورائهم.

وكوادرٌ تتعلم وتتقن وتجيد، فإما أن تسخّر نفسها لخدمة الثلة السابق ذكرها من الحمقى، لينالوا وظيفةً مرموقة أو ظهوراً إعلامياً، فيرتفعون مقاماً ويسقطون قِيَماً، وإما أن تدفن رأسها كالنعامة فيبحثون عن رزقهم في أماكن بعيدة، فإذا وجدوه تمتعوا به فأنساهم ذكر الوطن ومآسيه، فإذا قتلوا الشعب أو ذبحوه بالسكين ما علم بذلك ولا أهمه. 

ومواطنٌ يبذل جهده ويكافح وينافح خارج وطنه ليكسب قوت حياته وحياة أسرته، وإذا عاد إلى الوطن ضاع وقته ثرثرةً في مجالس الشجرة الملعونة، التي أصبحنا بسببها أضحوكةً للشرق والغرب.. أيّها السياسي اليمني غادر أروقة الحكم إذا كنت ترى ما حولك كله فحماً.. أيّها الكادر اليمني لا تكن مبدعاً رائعاً منظمّاً متفوقاً في المهجر وفي وطنك تصنع فحماً.. أيها الشعب اليمني لا تكن تاجراً حاذقاً في كل مجالات التجارة وفي وطنك تبيع فحماً… أيها التاريخ اليمني أما آن لك أن تصحو من مرقدك.

مخطئ من يظن أن جاهَه ومالَه وعلمَه ومنصبَه سوف تجلب له الاحترام ووطنه يعاني الويلات، مخطئ من يرضى بإهانة وطنه وهو لا يحرك ساكناً.

أيتها الحكمة اليمانية، إن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم قوله حق لا ينطق إلا بالحق، فإما أن تعودي إلينا وإلا أعدنا فحص الشفرة الوراثية DNA لساستِنا.

كلما شاهدتُ منظراً جميلاً تذكرتُ اليمن وشعرتُ بالوجع.. وكلما قرأتُ كتاباً عن التطور والرقي ونهضةِ الشعوب تذكرتُ اليمن وشعرتُ بالمرارة.. وكلما رأيتُ مشرداً أو طريداً أو أسيراً تذكرتُ اليمن وشعرتُ بالأسى.. وكلما سمعتُ بالفقر والجوع والفاقة والعَوَزِ تذكرتُ اليمن وشعرتُ بالحزن.

مشاهد الجمال ومشاهد النهضة… مشاهد الرقي ومشاهد الأسى.. مشاهد الفقر ومشاهد الجوع.. مشاهد القتل ومشاهد الدمار.. مشاهد الجهل ومشاهد التخلف.. كلها تذكرني باليمن وتشعرني بالألم. 

الوطن ليس عنصرية عرقية… الوطن ليس أعلاماً تُرفع وترفرف فوق كل ارتفاع… الوطن ليس نشيداً نتلوه كل صباح وفي كل محفل.. الوطن ليس جوازاً للسفر تعبر به مطارات العالم لقضاء مصالحك الشخصية.. الوطن شعور بالانتماء.. الوطن كيان كلما زاد عزةً ازددتَ عزة.. الوطن من غيره تصبح بلا هوية.. الوطن ماضي وحاضر ومستقبل، ماضي الأباء والأجداد، وحاضرك أنت، ومستقبل الأولاد. 

مخطئ من يظن أن جاهَه ومالَه وعلمَه ومنصبَه سوف تجلب له الاحترام ووطنه يعاني الويلات، مخطئ من يرضى بإهانة وطنه وهو لا يحرك ساكناً.. وأحمقٌ وغبيٌ وتافهٌ وحقير من يتاجر بقضية وطنه لينال حظوة الآخرين أو يحقق طموحاتهم ومصالحهم.