متى تضعُ الحربُ الكيميائيةُ أوزارَها؟

استخدمت المواد الكيميائية منذ القِدم في الحروب؛ ومنها السهام المسمومة والقطران المغلي ودخان الزرنيخ والأبخرة الضارة. ومع تطور العلم تطورت الأسلحة الكيميائية ليظهر معها الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، فاستعملت بريطانيا العوامل الكيميائية في حرب القرم، وأطلقت ألمانيا غاز الكلور والفوسجين على الحلفاء مما أسفر عن وفاة 90 ألف شخص فضلًا عن ما يربو على مليون إصابة خلال الحرب، واستُخدِم 124 ألف طن من العوامل الكيميائية.

خلال النصف الأول من القران العشرين تطورت الأسلحة الكيميائية كثيرًا لتشمل قذائف مدفعية وقذائف هاون وقنابل جوية وخزانات رش وألغام أرضية وغيرها. من منظور الحرب الكيميائية فإن الموت واحد؛ أي أنه لا تفرقة بين أساليب الموت وإنما العبرة بإيقاع الموت على العدو أو الأهداف الاستراتيجية التي يحتاجها العدو. أطلقت ألمانيا النازية عام 1915 ما يزيد عن 168 طن من غاز الكلور على إييبر Ypres البلجيكية مما أودى بحياة 5000 جندي من قوات الحلفاء، وتعاملت الولايات المتحدة الأمريكية بوحشية أقسى وأقذر في حرب فيتنام 1962-1971 فأطلقت العامل البرتقالي Orange Agent وهو اسم حركي لمبيد أعشاب ونازع أوراق الشجر؛ إذ استعملت القوات الأمريكية 71 مليون لتر من العامل البرتقالي مما نجم عنه وفاة 400 ألف شخص على الأقل فضلًا عن تشوهات الأجنة التي بلغت 500 ألف حالة. 

خلال الحرب الباردة احتفظت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي بكميات هائلة من الأسلحة الكيميائية بلغت عشرات الأطنان والتي تكفي لتدمير الحياة على كوكب الأرض. ثم في الأيام القليلة الماضية قام النظام السوري بضرب خان شيخون بالأسلحة الكيمائية في انتهاكٍ صارخٍ لمواثيق معاهدة حظر استعمال الأسلحة الكيميائية التي وقعت عليها سوريا لتفادي العقوبات الدولية إثر ضرب الغوطة بالسلاح الكيميائي في آب/ أغسطس 2013. وفي هذا المقال نُلقي الضوء على الأنواع المختلفة للمواد المستخدمة في الحروب الكيميائية.

غازات الأعصاب Nerves agents من بين أشهر المواد الكيميائية فتكًا وإبادة، ويمكن أن تقتل في أقل من 15 دقيقة، وتعمل عبر تثبيط الجهاز العصبي للضحية بآليات متنوعة

تسمى المواد الداخلة في الحرب الكيميائية باسم عوامل الحرب الكيميائية Chemical War Agents ويشار لها اختصارًا CWA وتنقسم لأربع مجموعات رئيسة، بالإضافة إلى مجموعات فرعية لا تستخدم في الحروب وإنما يتم الاستعانة بها لمكافحة الشغب والسيطرة على الحشود وتشمل (الغازات المسيلة للدموع – عوامل الصدمة المؤقتة). في السطور القليلة التالية نعرض بشيءٍ من الإيجاز للمجموعات الرئيسة الداخلة في نطاق الحروب الكيميائية على النحو التالي:

أولًا: غازات الأعصاب Nerves agents
من بين أشهر المواد الكيميائية فتكًا وإبادة، ويمكن أن تقتل في أقل من 15 دقيقة، وتعمل عبر تثبيط الجهاز العصبي للضحية بآليات متنوعة منها تعطيل الإنزيمات المسؤولة عن نقل نبضات العصب في الجسم. جميع عوامل الأعصاب تنتمي لمركبات الفوسفور العضوية، وهي مواد مستقرة وسهلة الانتشار وشديدة السمية، كما أنَّ تأثيرها على الجسم سريع سواء عند امتصاصها عبر الجلد أو عن طريق التنفس، يضاف لذلك سهولة تصنيعها وتوافر موادها الخام.

لم يلاحظ الكيميائيون الألمان القوة الفاتكة لمركبات الفوسفور العضوية حتى أوائل الثلاثينيات من القرن المنصرم، وفي عام 1934 تم تعيين جيرهارد شرايدر Gerhard Schrader كمدير تنفيذي لتطوير مبيدات الآفات بشركة IG Farben الشهيرة، وبعد عامين من الدراسات والأبحاث توصل شرايدر إلى تخليق مركب فوسفوري يمتلك قوة سمية عالية للغاية. تم إطلاق اسم تابون Tabun على هذا المركب الجديد، والذي عرف لاحقًا بعامل الأعصاب تابون؛ توالت بعد ذلك الجهود لإنتاج التابون؛ فأسست ألمانيا النازية مصنعًا ضخمًا وأنتجت خلال الفترة 1942 – 1945 حوالي 12 ألف طن من التابون. بنهاية الحرب العالمية الثانية استولى الحلفاء على مخزون التابون وقاموا باستعماله في أغراضٍ تخدم أهدافهم السياسية. 

حتى نهاية الحرب العالمية الثانية كان شرايدر قد تمكَّن من تخليق 2000 مركب كيميائي جديد من الفوسفور العضوي بما في ذلك السارين عام 1938 ولم يتم التوسع في انتاجه بشكلٍ مُوائم حتى عام 1945 والسومان Soman والذي بدأ انتاجه على نطاقٍ واسعٍ عام 1949. الجدير بالذكر أن هذه المواد (تابون – سارين – سامون) معروفة في التسمية الأمريكية بعوامل G، بحلول منتصف الخمسينيات من القرن الماضي تم تخليق مجموعة جديدة من عوامل الأعصاب يطلق عليها وفقًا للتسمية الأمريكية عوامل V وتمتاز بسمية تعادل عشرة أضعاف سمية السارين. 

كلوريد السيانوجين غاز قاتل استخدم في الحرب العالمية الأولى، وهو سائل عديم اللون في درجة حرارة الغرفة، وله رائحة الحمضيات، ومهيج قوي يسبب سيلان الأنف وتهيج الجلد والأغشية المخاطية كما ينجم عنه صعوبة في التنفس

ثانيًا: عوامل حارقة Blistering agents 
تعرف كذلك vesicants مواد زيتية ثم تصبح سامة، تم ابتكارها لأول مرة عام 1917 في ألمانيا. جاءت تسميتها بالعوامل الحارقة للتشابه الكبير بينها وبين حروق الدرجة الأولى. من أشهر أمثلتها غاز الخردل (خردل الكبريت – خردل النيتروجين) وفوسجين أوكزيم Phosgene oxime ومركب لويزيت Lewisite وهو أقوى هذه المركبات تأثيرًا. استعمل غاز الخردل بشكلٍ كبير خلال الحرب العالمية الأولى، وهذه العوامل لها تأثير حارق؛ يؤدي لتآكل الجلد والأغشية المخاطية وغيرها من أعضاء الجسم عند ابتلاعها أو اتصالها بالجلد. تقتل في فترة تصل إلى 24 ساعة. استعملت في العديد من الصراعات ومنها الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988).

ثالثًا: عوامل الدم Blood agents
يعزى اكتشاف هذه العوامل للكيميائي الألماني من أصول يهودية فريتز هابر Fritz Haber، والمولود في 1868 برز اسمه على الساحة العالمية مع أفول عام 1891، وقد حصد جائزة نوبل في الكيمياء عام 1918. قام هابر وبمساعدة كارل بوش Carl Bosch بتطوير تقنية لتخليق الأمونيا واستخدامها في صناعة الأسمدة. استفاد الألمان من هذه الطريقة في تحضير الغازات السامة إبان الحرب العالمية الأولى، فضلًا عن استعمالها في معسكرات الاعتقال خلال الحرب العالمية الثانية. أشرفَ هابر بنفسه على إطلاق الغازات السامة على قوات العدو، وقد كان لاستعمال هذه الغازات أثرًا بالغ الضرر على قوات الحلفاء. 

كلوريد السيانوجين غاز قاتل استخدم في الحرب العالمية الأولى، وهو سائل عديم اللون في درجة حرارة الغرفة، وله رائحة الحمضيات، ومهيج قوي يسبب سيلان الأنف وتهيج الجلد والأغشية المخاطية كما ينجم عنه صعوبة في التنفس. يتم استعمال نيتريت الصوديوم ونيتريت الإميل بالإضافة إلى الصوديوم ثيوسلفات كترياق لكلوريد السيانوجين. أما سيانيد الهيدروجين فلا توجد وثائق مؤكدة حول بداية دخوله قيد الاستعمال في الحروب، إلا أن ألماني النازية استخدمته في غرف الغاز النازية تحت مسمى Zyklon B كما استعملته القوات العراقية في حربها ضد إيران في الفترة 1980-1988 وكذلك في قرية جلبجة الكردية شمال العراق. 

رابعًا: العوامل الرئوية Pulmonary agents 
تعرف كذلك بعوامل الاختناق Chocking agents وهي أسلحة كيميائية مصممة لإعاقة الضحية عن التنفس من خلال تراكم السوائل في الرئتين مما يؤدي للاختناق وعدم وضوح الرؤية وحروق شديدة بالجلد والأغشية المخاطية، وحروق بالحلق وضيق بالصدر وفشل بالدورة الدموية. تعمل بسرعة أقل من العوامل الحارقة، وتتسبب في فشل الجهاز التنفسي خلال 4 ساعات، وتعتبر من أول أنواع الحروب الكيميائية استخدامًا حيث أطلقت القوات الألمانية غاز الكلور على الحلفاء في إييبر البلجيكية في 22 إبريل 1915 خلال معركة إييبر الثانية. وبنهاية الحرب العالمية الأولى كان الفوسجين المسؤول الأول عن 80 بالمائة من الوفيات المرتبطة بالحرب الكيميائية خلال هذه الحرب، وتشمل عوامل الاختناق بالإضافة لغاز الكلور والفوسجين البيرفلورو-أيزوبيوتين والكلوربكرين وغيرهم. 



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

ارتفع عدد النازحين من الجانب الغربي لمدينة الموصل (شمال) إلى 320 ألفا منذ انطلاق عملية استعادته من تنظيم الدولة يوم 19 فبراير/شباط الماضي، وفق وزارة الهجرة والمهجرين العراقية.

الأكثر قراءة