كيف يدمّر النظام الأكاديمي أدمغتنا "الطعنة الخامسة"

قبل أيام اشترى رجل أعمال في الحي الذي أسكن فيه مبنى كان في الأساس مشفى بقيمة مليوني دولار أمريكي، وحوّله إلى مدرسة، لم أكن أتوقع من قبل أن شخصا ما يمكن أن يستثمر في التعليم بمبلغ كهذا في ظل ركود اقتصادي قاتل، وذهبت في زيارة إلى تلك المدرسة وأخبرني المسؤولون فيها أنهم يجهزون المبنى لاستيعاب أكثر من ألفين طالب وطالبة، الأمر الذي غير نظرتي لعملية التعليم..

 

هل التعليم مهنة مقدسة كما يتصوره المجتمع؟!

في الحقيقة لا توجد قداسة في تعليم عصرنا بأي شكل من الأشكال، فالتعليم خدمة تقدمها شركات، ويتقاضون مقابل ذلك مبلغا من المال، وزيادة على ذلك يحصلون على سمعة جيدة للقيام بأعمالهم بخلاف الشركات الأخرى، وأنا شخصيا لا أجد مشكلة في أن يتحول التعليم من طور القداسة، إلى طور التجارة البحتة، لكن المشكلة في أن يُقدم لنا التعليم على طبق مقدس وهو في الحقيقة يمارس ما تمارسه الشركات الربحية في أتعس صورة..

 

سألت أحد أقربائي عن دراسته وأخبرني بأنه لا يداوم منذ شهور، لأن المعلمين في جامعته أضربوا عن التدريس لقلة الرواتب الشهرية، وهذا من حقهم في نظري، ولا يوجد فرق بينهم وبين عمّال مصنع الصابون، وهذا أمر مفهوم من منطلق تجاري بحت، لكنه قبيح من منطلق القداسة في التعليم، ويجب أن نستحضر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه "إنما الأعمال بالنيات"، فإن كان التعليم عمل أساسي ومهنة تكسب صاحبها المال، بل ويختص الناس على أساس "العرض والطلب" في سوق الجامعات والمدارس، ويٌكتب البحوث لغرض الارتقاء في السلم الوظيفي، هنا نضع نية غير مقدسة لعملية التعليم، ونخلط بين التجارة وبين التعليم ..

 

التعليم في الحقيقة مهنة شريفة وغرض مقدس، ولا ينبغي أن يكون في الأساس وجهة اقتصادية، لكنني فكرت في الأمر هذه الأيام ووصلت إلى قناعة تقول بأن التعليم اليوم بحاجة إلى أن تديره شركات ويطبق عليه كل قوانين التجارة

كنت طالبا أدرس في كلية اللغة العربية وأُدرّس اللغة لمجموعة من الطلاب في نهاية كل أسبوع، وكنت آخذ على ذلك ٤٠٠ دولار أمريكي، وكانت تلك العملية برمتها تمثل لي تجارة وإن لم أفكر حينها بالأمر على هذا النحو، لكن الرغبة التي دفعتني إلى إيجاد طلّاب يمكن أن يعطوني مقابلا على التعليم بحد ذاتها كانت رغبة لزيادة الدخل والإفادة من الموارد القليلة المتوفرة، وترتب من ذلك ما يترتب على أي تجارة وهي "أن تبذل قليلا وتربح كثيرا"، وبذلك لم يتصف عملي حينها بالمهنية الكافية، ورغم ذلك أعتقد أنني قدمت شيئا نافعا لهم، لكن ذلك لم يكن أفضل أداء لي، وفي المقابل جربت شعور المعلم المتطوع، وكنت أكثر إبداعا وبراعة والتزاما حين كنت معلما متطوعا لنفس المادة التي كنت أكسب من تدريسها المال، ولا يجوز لي بالتأكيد أن أقول بأن كل المعلمين يفكرون بنفس الطريقة اللئيمة التي فكرت بها، كما لا يمكن لأي إنسان أن يثبت بأن المعلمين الذين لا يعملون إلا في التعليم ويأخذون على ذلك ما يعيشون به، يعملون بنفس القدر من النزاهة التي تتطلبها مهنة كالتعليم، لا سيّما وقد أصبح كل شيء يتعلق بالعلم فرصة تجارية ابتداء بالأقلام، والكشاكيل، والكتب، وحتى المواصلات وتصوير المذكِّرات والمقاصف، فكل شيء هنا يوحي بالتجارة لا العلم ..

 

التعليم المقدس هو التعليم الذي ينطلق من منطلق "هل أتبعك على أن تعلمن مما عُلمت رشدا" وبذلك لا يأخذ على ذلك جزاء ولا شكورا، وكان سقراط يعلّم طلّابه بدون مقابل مادي، وهذا ما أنتج أفلاطون وكوكبة من مؤسسي الفلسفة الغربية، نفس الشيء الذي قام به أئمة الفقه والحديث والتفسير واللغة، إذ كان لهم مصدر رزق يعيشون من خلاله، ولم يأخذوا على عملية التعليم أجرا، لقد انشغلوا بإرساء المفاهيم، وتصنيف الكتب، وخدمة العلم دون أن ينتظروا أرباحا من المبيعات، ولا ينبغي أن يُفهم من كلامي أنني أعيب على من يأخذ على الكتابة أو التعليم أجرا، المشكلة تكمن في أمرين :
 

* كون المجتمع لا يراقب المؤسسات التعليمية ولا ينتقدها نقدا مجردا عن المهابة كما يفعل مع المؤسسات والشركات التجارية.

* الدولة تلبس قداسة العلم لوزارة التربية والتعليم وحدها وإن كان دورها لا يضيف للعلم شيئا، وبناء على ذلك فلن يكون المرء متعلما إذا لم يرقص على أنغام الوزارة، ويصل الأمر إلى أن يجرم القانون كل من يسلك طريقة في التعليم لم تشرف عليها الوزارة..

 

التعليم في الحقيقة مهنة شريفة وغرض مقدس، ولا ينبغي أن يكون في الأساس وجهة اقتصادية، لكنني فكرت في الأمر هذه الأيام ووصلت إلى قناعة تقول بأن التعليم اليوم بحاجة إلى أن تديره شركات ويطبق عليه كل قوانين التجارة، لأن التعليم اليوم لم يحافظ على قدسيته ولم ينسلخ منها، فهو في مرحلة تعيسة بين المرحلتين، وموظف وزارة التربية والتعليم الذي يفترض أن يضع المنهج ويراقب عملية التعليم هو في الأساس جاء ليسترزق – كما يحلو للعامة أن تقول – وعندما يحضر الأندية يتحدث عن قدسية التعليم، وفضل المعلمين، هذا في نظري ما ضيع التعليم.

 

التعليم يجب أن يكون منهجية حياة، بحيث يكون للمعلم مهنة غير التعليم يسترزق منها ويجعل ما تبقّى من وقته "وذلك كاف" للعلم ومن أجل العلم وحده، وقبل ذلك دعنا نتاجر بالعلم بقوانين التجارة

ماذا لو كلّفنا شرِكات في وضع المناهج وتعاملنا معها كما نتعامل مع الشركات في باقي مجالات الحياة، فإن لم يعجبني منهج الشركة "أ" أنتقل إلى منهج شركة "ب" وبذلك قد خسرت شركة "أ" مالا وكسبت "ب"، ومن هنا تتولد فكرة إنتاج حقيقية وتضع كل شركة أمامها مهمة الربح الذي يتمثل في إيجاد وابتكار حلول حقيقية ومثمرة، وهذا ما تفعله سامسونج على سبيل المثال وتفعله كل الشركات المنافسة، وبذلك ننتقد المعلم أو المؤسسة التعليمية كما ينتقد زبائن سامسونج أجهزتها دون أن نشعر بالرهبة من لقب المعلم، أو المدرسة، أو الدكتور، وأذكر أنني ذهبت إلى إدارة الكلية لأشتكي من تعامل أحد محاضريها، الذي تواترت منه سوء التعامل، وعندما قدمت شكوتي قال لي المسؤول، إن طلب العلم ليس بهذه السهولة يا بُني، فكان لبعض أئمة السلف كلابا يطلقون على طلّابهم إذا دخلوا عليهم، والحقيقة هي أنه يحق للأعمش أن يطلق كلبه على طلّابه، وأن يطلق عليهم رصاصا إذا وجد، لأنهم جائوا ينازعونه في وقته، وهو يعطي علمه دون مقابل، لكن الدكتور الذي يدرّسك في الجامعة يأخذ منك أو من مال مجتمعك راتبا على أن يعلّمك دون أي "أفورة ورخامة " وأنت بالطبع لم تأت لطلب العلم إنما جئت تتعلم وسيلة لطلب الرزق …

 

ومن يرى في ذلك بأسا عليه أن يختار الحفاظ على قدسية التعليم والمعلم، وبذلك يكون التعليم منهجية حياة، بحيث يكون للمعلم مهنة غير التعليم يسترزق منها ويجعل ما تبقّى من وقته "وذلك كاف" للعلم ومن أجل العلم وحده، وقبل ذلك دعنا نتاجر بالعلم بقوانين التجارة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنتونيو غوتيريش من تفاقم الاضطرابات الأمنية بليبيا، وقال إنها تهدد بانزلاق إلى صراع واسع، وذلك أثناء استعراض تقريره الدوري لمجلس الأمن حول تقييم بعثته بليبيا.

الأكثر قراءة