كِبارٌ ولكن العالم أكبر منا

نعم، صِرنا كِبارًا ولكن المسؤولية أكبر من أن تُحتمل، الحنين إلى وضع الجنين يُطاردنا، الرغبة في لحظات حميمية واحتواء غير مشروط لا تذهب أبدًا.

 

الحنان و"الطبطبة" مطلوبان وبشدة، الشعور بأهميتنا وأن تضحياتنا -إن وُجدت- لا تذهب هباءً؛ يُلِحُّ وبشدَّة مع كل لحظة نغمض فيها أعيننا في انتظار النوم. نرغب في بعض الأمان والاطمئنان والسكون، نود أن يأتي أحد ليقول بأن كل شيء سيسير على ما يُرام وأنك ستستعيد نفسك يومًا ما لا محالة.

 

الحياة كانت قاسية عليكم وقاسية علينا أيضًا، نريد منكم فقط نظرة إلى الخلف وتذكر أيام التعب والكد والجهد، والرغبة في الراحة والتغيير وبعض لحظات السعادة لتستعيدوا روحكم والبدء في السعي من جديد، ولكن تخيلوا أن حتى لحظات التذكر تلك لن تصف نصف ما نمر به نحن الآن، فعليكم أن تضربوا ما عانيته منه في اثنين حتى تحصلوا على ناتج ما نعانيه نحن الآن ومع ذلك لا نرغب إطلاقًا في أشياء مادية ولا نريد منكم شيئًا لأنكم أعطيتمونا الكثير وقدمتم الكثير، فنحن لا نريد سوى الكلمة، فقط الكلمة.

 

لا تصححوا أخطاءنا ولكن لا توبخونا على كل نَفَس لا يليق بمنطقكم. لا نريد منكم أن تفعلوا شيئًا أبدًا، ولكن ما نريده هو الصبر علينا وإخبارنا بين الحين والآخر أنكم راضون عنّا، لأن عدم رضاكم فكرة في مُنتهى الرُعب

قد نكون لا نستطيع البوح بالكلمة الطيبة ولكن لأننا مشغولون بالأفعال تجاهكم حد الإنهاك والتعب ونشعر بالتقصير تجاهكم حد الخوف من المواجهة، فقط نريد الاطمئنان بأننا غير مقصرين، فقط نريد الحصول على ذلك الشعور وعندها سيصير الكلام سهلًا.

 

ذلك التحول من الطفولة والطلبات المُجابة أو حتى غير المُجابة، إلى الخجل من الطلب أصلًا، تَحوُّلٌ مُرعِب، نحتاج لمن يخبرنا بأننا لا زلنا هنا، نطمئن ونهدهد ونهدئ من روعِك. نحن نريد من يُحسِن إلينا ونحن نُجابَهُ ونحنُ خائفون ومرعوبون، ونحن مدَمَّرينَ على مُختلف الأصعدة. لقد أغرقتمونا بالحنان طول أيام الطفولة والمراهقة ولكن أثر هذا الحنان غير مُمتد، لا نريد أفعالاً ولا متاعباً، ولكن مجرد كلمتين بهدف التهدئة من الروع.

 

صِرنا كِبارًا نعم، ولكن كبرت معنا مخاوفنا حتى صرتم جزءًا منها، يكبر معنا الخوف عليكم، والخوف الأكبر من مرضكم، والخوف الأعظم من فقدكم. الجلوس تحت أقدامكم هو أقصى أمانينا، ولكنكم تشكلون حواجز لا نستطيع عبورها ولو بالكاد. اتركوا لنا فرصة للخطأ. صرنا كِبارًا نعم، ولكننا لا زلنا نخطئ، إنه بالأساس وقت التجربة والخطأ. لا تتخلوا عن دوركم معنا في تقويمنا، ولكن ليس في تعسيفنا، ليس في تقويض تصرفاتنا وفرض علينا رؤيتكم. اتركوا لنا الفرص للانطلاق، ولكن ابقوا هنا، لا تصححوا أخطاءنا ولكن لا توبخونا على كل نَفَس لا يليق بمنطقكم. لا نريد منكم أن تفعلوا شيئًا أبدًا، ولكن ما نريده هو الصبر علينا وإخبارنا بين الحين والآخر أنكم راضون عنّا، لأن عدم رضاكم فكرة في مُنتهى الرُعب.

 

صِرنا كِبارًا نعم، ولكننا لا نتحلى بروح الشباب المزعومة، التي نسمع عنها ولا نعيش بها. نحن مُنهكون.. مُتعبون، نبذل جهودًا ربما ترون أنها لا تختلف عن جهودكم في شبابكم أيضًا، ولكن نظنها أشد قسوة على النفس والروح لأنها تسلبنا. عندما كنتم في مثل أعمارنا، كان لديكم أطفالكم الذين تسعون لأجلهم، ولكننا الآن لسنا لدينا غيركم ولكننا نسعى، نسعى بكل ما في طاقتنا لنحصل على أشياء بالكاد نراها في أحلامنا، ولا نعلم كيف سينتهي السعي وراءها.

 

صِرنا كِبارًا نعم، ولكن كِبارٌ لدرجة النوم، ومعه رغبةٌ في عدم الاستيقاظ بالغد، ندعو الله أن يأتي أجلنا سريعًا، لأن الجو خانق، مُدمِّرٌ للأعصاب ومُهلِكٌ حدَّ الجحيم. نريد أن نعيش كما يتوافق مع أعمارنا بالشكل الذي يتوافق مع زماننا ولكننا لا نستطيع، ومن لديه القدرة على أن يفعلها، ينتهي يومه بالإحباط وفشل مأسوف عليه.

 

صِرنا كِبارًا نعم، ولكن نحتاج لمن يبثُّ الثقة في نفوسنا بين الحين والآخر، لأن الوضع قادرٌ على أن يجعلنا معدومي الثقة في أنفسنا وفي الآخرين، ونريد أن نحمي نفوسنا وعقولنا وقلوبنا قبل أن تنعدم الثقة -وآسفة لقول هذا- فيكم أيضًا.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

ارتفع عدد النازحين من الجانب الغربي لمدينة الموصل (شمال) إلى 320 ألفا منذ انطلاق عملية استعادته من تنظيم الدولة يوم 19 فبراير/شباط الماضي، وفق وزارة الهجرة والمهجرين العراقية.

الأكثر قراءة