في مستنقع التطرف.. نغرق

نعيش في زمنٍ يضجُّ بالحروب، ويملؤهُ الخوف، لا تسمع فيه سوى دويّ القنابل وصُراخِ الأطفال، وارتطام الرصاصات بالأرض وارتطام الرؤوس أرضاً أيضاً، لا ترى منه سوى الدم الأحمر والأيام التي يكسوها السواد، زمنٌ لا يشبه الأزمان، زمنٌ مُريبٌ ومخيف، فيه ثقوبٌ كثيرة تُدخلُ النور إلى غرفنا المعتمة، ثقوبٌ أحدثها القصف والقتل والذبح في أجساد شباب ونساء أفنِيَت أرواحهم هباءً على أراضي بلادٍ لم يريدوا منها سوى السلام، كل ضحية هي نورٌ من المفترض منّا أن نبصر من خلاله قرب النهاية، ولكن الحبل جرّار!

 

ومن ثمّ يأتي أحدهم ليخبرنا بأنه مسيحيّ الديانة، ولا يريد من المسلمين سوى السلم وأنه يؤمن بالرب ذاته وأنه ليس من حق المسلم أن يقتل من يخالف طقوسه الدينية. ومن جهة أخرى ينطق آخرون بكلمات يخبرون بها المسلمين أن يتركوهم يمارسون شرائعهم وعباداتهم بالطريقة التي يريدون وأنهم لا يريدون أذيّة منهم. وهذا يلوم الإسلام، وتلك تُخاطِبُ المسلمين، وضجيجٌ وفوضى عارميْن ينسياننا جميعاً أن لا علاقة للمسلمين ولا حتى للمسيحيين ولا لأحد بما يحدث!

 

لن يُباد المسلمون في قريةٍ وينجو المسيحيون! لأن الأديان بريئة من الدم! فإما أن ننجو جميعاً أو أن نغرق جميعاً في مستنقع السياسة التي أبطلت الأديان ولنا حريّة الاختيار.

تذكروا معي، كم من مسجد تم تفجيره لأن مَنْ فيه شيعة؟ وكم مِنْ قريةٍ أُبيدت لأن أهلها من أهل السُنّة؟ وكم كنيسةٍ تفجرت بحُجَّة التطرف؟ وكم من محطة قطار تفجرت وكم من بريءٍ تمَّ دهسُهُ ظُلماً وافتراءً؟ والشمَّاعة الوحيدة التي يعلًق عليها كل تلك القذارة هي الإسلام.. واللوم علينا جميعاً بإسلامنا ومسيحيتنا وكل أدياننا، لأننا اعتدنا اللوم والتبرير وكلاهما أضعفا مواقفنا وزاد المؤامرة على شعوبنا وضخّم الفجوات بيننا فتشتتنا لدرجة أننا استهوينا اللوم والدفاع، لنلقي عن كواهلنا مسؤولية ما آلت اليه أحوالنا.

 

لا تتكلم مع المسلم وتخبره عن خوفك، لا تبرر له ولا تقل أشياءً تتفوه بها عن خوف! ولا تخبر المسيحي بأنك مُسالم وأنك لست مسلماً إرهابياً! كفاكم ضعفاً مصطنعاً، الإسلام لا يمتُّ للخوف بصلة، والمسيحية لا تمت لاتهام الإسلام بالإرهاب بأي صلة!

 

إن ما يحدث هو خطّة واضحة وكفانا أمثلة وكفانا أرواحاً وأجساداً وأطفالاً وبلداناً بأكملها، تخبرنا عن تلك الخطة، تلك الخطة التي ترسم سُنِّيَاً يهاب الشيعي، وفَصَلَتِ الكاثوليكيّ عن الأرثوذكسي، وأرعبت المسلم من المسيحي والمسيحي من كلمة "إسلام"! كفانا نحن تطرفاً.. حتى خوفنا بات متطرفاً يكسوه التعصب!

 

إن ما يحدث في أي بلد عربي أو أجنبي مسلم أو مسيحي أو يهودي أو ملحد، لا يمت لأي دين من الأديان ولا يشبه أي تشريع سماوي، إنه تطرف بشري مقزِّز يهدف إلى تقسيم العالم لجبهات متعددة تدخل في مواجهات بين بعضها البعض، فنلتهي كالعادة باللوم والرد على القتل بالقتل وعلى الموت بالاتهامات وعلى الخوف بالتجنّب.. وإلى آخره من مهازل العالم! فتمشي المخططات كما خُطِّط لها، ونكون نحن تلك الدمى التي تتحرك بحسب المخطط.. لنستفيق لاحقاً في متاهة لا مخرج منها ولا نهاية لها، في عالمٍ مُشتَّتٍ لا تربطه مشاعر الأخوة ولا تشريعات السماء ولا تسامح الأديان.

 

علينا أن نستفيق.. رغم أنني أعرف أن الوقت قد تأخر ولكن لعلّ وعسى.. نحن جميعنا إخوةٌ في التسامح، وإلهنا إله واحد وإن أراد الله أن يغمرنا برحمته فلن يغمر حيّ المسلمين دوناً عن المسيحيين في بلدٍ ما، ولن يُباد المسلمون في قريةٍ وينجو المسيحيون! لأن الأديان بريئة من الدم! فإما أن ننجو جميعاً أو أن نغرق جميعاً في مستنقع السياسة التي أبطلت الأديان ولنا حريّة الاختيار.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

يتسابق بعض نواب مجلس الأمة الكويتي لتقديم استجوابات بالجملة لرئيس الحكومة الشيخ جابر المبارك بعد رفض تعديل قانون الجنسية لبسط سلطة القضاء على القرارات الخاصة بالجنسية.

الأكثر قراءة