خلافات الإخوان التنظيمية وآخر الحلول

نحن الآن أمام جماعتين للإخوان في مصر بشكل واضح؛ الجماعة الرئيسية التي يستوي على رأسها تيار القيادات القديمة، والجماعة الجديدة التي بادرت بإجراءاتها المنفردة فانتخبت قيادة جديدة سمتها «المكتب العام للإخوان»، أبعدت عنها كل القيادات القديمة، ثم ها هي تسير في طريقها الذي وضعت له عنوانه الرئيسي «التغيير»، فسارعت إلى نشر مراجعاتها للمواقف والأحداث منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير.

وبصرف النظر عما جاء في هذه المراجعات وعن تفصيله، وعن قيمة هذه المراجعات وأهميتها في هذا التوقيت، نحن أمام مأزق تنظيمي كبير تعيشه جماعة الإخوان، وهو مأزق تنظيمي تاريخي، فلم تصل خلافات الإخوان المسلمين في مصر في تاريخهم إلى حد انشقاق طولي كهذا يخلّف جماعتين وتنظيمين.
الإشكالية الكبرى ليست في انشقاق الجماعة الأم إلى جماعتين وتنظيمين، ولكنها في أن كل طرف من الطرفين ينادي بأنه الممثل الحقيقي للجماعة، وأن الطرف الآخر طرف منقلب على اللوائح والمؤسسية.
كل طرف ينادي بما ينادي به الطرف الثاني بحذافيره، وتستمر المأساة؛ صراع في داخل أروقة الإخوان، وبعد خسران الدولة وخسران الثورة ها هم يخسرون جماعتهم أو يكادون.

خرج حزب العدالة والتنمية من رحم الحركة الأم؛ حركة الشيخ المؤسس نجم الدين أربكان، ثم نجح حزب العدالة والتنمية بعد ذلك فيما لم ينجح فيه حزب أربكان.

الحقيقة أن ذروة البركان هي بداية خموله، وقد وصل بركان الخلافات التنظيمية بين الإخوان إلى ذروته عندما أعلنت القيادة الجديدة «الشبابية» إجراء انتخابات جديدة وانتخاب قيادة جديدة أسمتها بالمكتب العام. والمنتظر أن يبدأ بركان الخلاف هذا في الخمول. وقد تبين بالبحث والاستقصاء أن أغلب جسد الجماعة ما يزال يتبع القيادة القديمة، وأن القيادة الشبابية الجديدة لا يتبعها إلا النزر اليسير من المناطق الجغرافية والمكاتب الإدارية. ومع تصميم القيادة الشبابية الجديدة على إجراءاتها وطريقها، أصبح من شبه المستحيل عودة الطرفين إلى تنظيم واحد، فقد امتلأت الصدور بما يوغرها، والعقول بما يغلقها، وقد رأينا سوابق مثل هذه لفروع الإخوان في البلدان المختلفة، فلم تكن النهاية إلا بالفراق البيّن.

ولذلك فإن الذي أراه – كحل أخير- أن يبادر التيار الشبابي التغييري بإنشاء كيانه الدعوي والحركي المستقل بعيدًا عن جماعة الإخوان المسلمين وتنظيمها واسمها، ثم يجتهدوا من خلال كيانهم الجديد في تحقيق رؤيتهم، فهم يؤكدون على أنهم يحملون رؤى مختلفة في قضايا كثيرة للعمل السياسي والإسلامي، وأغلب الظن أن الهوة ستتسع في الرؤى يومًا بعد يوم. التيار الذي تشكل حول هذه القيادة الجديدة برؤيتها الجديدة هو تيار يصعب احتواؤه في الإطار التنظيمي للإخوان بقياداتها الحالية، فالرؤى متباينة، والصراع بين الطرفين وصل إلى مرحلة إقصائية يحاول كل طرف فيها أن يقصي الطرف الآخر إقصاء تامًا.

فإذا ما جادل التيار الشبابي التغييري بأن لا أحد يحتكر عنوان الإخوان المسلمين لنفسه، ولا أحد يملك أن يقصيهم من تمثيله، فإننا حينها نقول لهم: هوّنوا على أنفسكم أيها الكرام، واختصروا المراحل، فإن طريقكم قد بانت نهايته، ونهايته – كما أراها- في مكان آخر غير جماعة الإخوان المسلمين بتنظيمها وأصولها وقياداتها، وإن العقل والمنطق يقولان إن أولى الناس بوراثة الجماعة وقيادتها هم بناتها ومنشئوها.

من الممكن أن تنجحوا برؤيتكم الجديدة وتياركم الجديد وحركتكم الجديدة فيما لم ينجح فيه الإخوان، لكن عليكم أولاً أن توقفوا هذه المهزلة القائمة؛ مهزلة الصراع مع قيادات الإخوان.

وبالتالي فإذا ما تنازعتم على القيادة أنتم وفريق على رأسه محمد بديع وخيرت الشاطر ومحمود عزت ومحمود حسين وأشرف البيومي وإبراهيم منير، فالنهاية قطعًا لن تكون لكم؛ فهؤلاء هم قادة الإخوان المؤسسون والبناة، وهم من ورثوا الراية عن أسلافهم الأولين، وهم أحق الناس بحمل هذه الراية وتمثيلها. فلا تشغلوا أنفسكم وتشغلوهم بهذا الصراع التنظيمي عن الصراع مع أنظمة الحكم المتسلطة وطواغيتها الباغية، وادخروا جهدكم لخدمة مشروعكم الإسلامي العظيم الذي يسع جهد الجميع ويحتاج لجهد الجميع.

وليكن لكم نبراس من تجربة إخوانكم في تركيا، فقد خرج حزب العدالة والتنمية من رحم الحركة الأم؛ حركة الشيخ المؤسس نجم الدين أربكان، ثم نجح حزب العدالة والتنمية بعد ذلك فيما لم ينجح فيه حزب أربكان، وقدم رؤية جديدة فيها دهاء سياسي أكثر وحنكة إدارية أكبر.

من الممكن أن تنجحوا برؤيتكم الجديدة وتياركم الجديد وحركتكم الجديدة فيما لم ينجح فيه الإخوان، لكن عليكم أولاً أن توقفوا هذه المهزلة القائمة؛ مهزلة الصراع مع قيادات الإخوان على الأحقية بتمثيل الجماعة، فهذا ما سيُذهب جهدكم وجهدهم فيما لا طائل من ورائه، وجميعنا يعرف أن الجماعات والحركات وسائل وليست غايات، فاصنعوا بأيديكم وسيلتكم الجديدة، وانطلقوا نحو غايتكم برؤيتكم الخاصة وأساليبكم الخاصة، فربما تصلون قبل الآخرين، وأجركم وأجرهم على الله، وهو المستعان.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

يخشى مراقبون من أن يؤدي فرض حالة الطوارئ في مصر إلى زيادة حدة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد وارتفاع التضخم الذي وصل إلى أعلى معدل له منذ الحرب العالمية الثانية.

الأكثر قراءة