القراءة والأدب في زمن الأفول

ترددت قليلا في كتابة هذا المقال، وحاولت أن أخط تمهيدا له، لكنني فشلت، ومع مرور الوقت اكتملت الفكرة، وقررت الكتابة في الموضوع، ومن الأسباب الأساسية التي دفعتني للكتابة، لما قرأت مقالا ينتقد بلهجة شديدة معارض الكتب، واعتبرها المقال بابا من أبواب الاستهلاك، وهذا أمر قد أقبل بعضا من حججه، لكن أدفع بعضا منها. 

فلما كان العلم بكل أصنافه، محورا أساسيا في تحديد مواضع الخلل، وإظهار مكامن تحرير العقل من براثين الجهل والخرافة، فإن القراءة، والتعامل مع الكتب أمر رئيسي في دائرة العلم، ولعل الجاحظ في كتابه "الحيوان" قد بين محاسن الكتاب، وأظهر جلال القراءة، وأوضح حسن الاطلاع، واتساع مدارك القارئ. ووصف الجاحظ محاسن الكتاب فقال: "الكتاب هو الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يقليك، والرفيق الذي لا يَمَلَّك، والمستميح الذي لا يؤذيك، والجار الذي لا يستبطئك، والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق، ولا يعاملك بالمكر، ولا يخدعك بالنفاق.

إن القراءة أصبحت شيئا ثانويا، أو قل إنها اليوم لم تعد من الأولويات، وطغى الجانب الحياتي في الإنسان العربي، فأصبح آليا في تفكيره، لا يستطيع التواصل الروحي المعنوي مع الكتاب.

والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجوَّد بيانك، وفخَّم ألفاظك، وعمَّر صدرك، وحباك تعظيم الأقوام، ومنحك صداقة الملوك، يطيعك فـي الليل طاعته بالنهار، وفي السفر طاعته فـي الحضر، وهو المعلم الذي إن افتقرت إليه لم يحقرك، وإن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة، وإن عزلت لم يدع طاعتك، وإن هبَّت عليك ريحُ أعدائك لم ينقلب عليك، ومتى كنت متعلقاً به، ومتصلاً منه بأدنى حبل لم يضرك منه وحشة الوحدة إلى جليس السوء، وإن أمثل ما يقطع به الفراغ نهارهم وأصحاب الكفاية ساعة ليلهم نظرة فـي كتاب لا يزال لهم فيه ازدياد أبداً فـي تجربة وعقل ومروءة وصون عرض وإصلاح دين ومال ورب صنيعة وابتداء إنعام" (الجاحظ، الحيوان، الجزء الأول).

لكن هذا المدح تجاه الكتاب، سرعان ما يصطدم بالتشكيك، لما ترى العلم قد أصبح بين الجهلاء، وأصبح العلماء على رأس الاصابع، وأصبح النفور من القراءة، بل إن البعض يرى أن القراءة استهلاك أعمى، لا ينتج التنمية والنهضة، حقا، لقد أصبح الكتاب عاجزا عن تقديم النهضة المطلوبة، لكن إن المشكل ليس في الكتاب، بل إن الكتاب ثابت في ما يعطيه، والمتعامل معه أصبح عقلا نمطيا، لا يقرأ، وعندما يقرأ تكون قرأته شكلية، ذات بعد تكسبي، أي محاولة القراءة من أجل عمل، أو ما شابه ذلك من الأمور التي تعطي للقراءة تلك الصورة الجبرية، وتفرغ مضمونها من المعنى.

ثم إن القراءة أصبحت شيئا ثانويا، أو قل إنها اليوم لم تعد من الأولويات، وطغى الجانب الحياتي في الإنسان العربي، فأصبح آليا في تفكيره، لا يستطيع التواصل الروحي المعنوي مع الكتاب. والمجال الأدبي عموما لم يسلم من الركاكة أيضا، إن الدرس الأدبي يعاني من محيط الاشتغال الحالي، وبمفهوم المخالفة، ومن أجل المقارنة، حتى يحصل الفهم وتقريب المعنى، فإن الدرس الأدبي يعاني من جمود في المحيط الإبداعي، أي دارس الأدب اليوم رغم تفوقه المنهجي والعلمي، لا يجد مادة الاشتغال أو النص المدروس، أي الإبداع (الشعري والنثري) ليبني عليه الدرس الأدبي، كما كان من قبل، أما الدرس القانوني فمشكلته معكوسة، أي أن دارس القانون لا يستطيع اليوم التعامل مع المادة أو النص القانوني الموجود حاليا والمنتشرة بكثرة، يعنى أن الدرس الأدبي يعاني من أزمة في مصادر الإنتاج، والدرس القانوني يعاني من توليد الإنتاج نفسه.

وقد اقتحم مجال الأدب وجوه وعناوين بعيدة عن الأدب، وخير مثال على هذا، ما يحصل في أمريكا، ولو اطلع المرء على الروايات الأكثر مبيعا بأمريكا في موقع "أمازون كندل"، سيجدها روايات لا تحمل قيمة علمية، أو رواية تصلح لأن تدرس، في الدرس النقدي، فتراها روايات سنيمائية، تشبه سينما المقاولات، تعطي للقارئ مادة ترفيهية، لا تحمل المعنى، وترى هذا الأمر قد احتل الأدب العربي، فترى عناوين بعيدة عن الأدب، وأغلفة توحي القارئ الفطن إلى الطابع السنيمائي لهذه الروايات، وإن المطلع على المبادئ الأولى في الأدب يعرف الفرق الكبير بين النص الأدبي (رواية – قصة قصيرة) والنص السنيمائي.

والمتمعن في أزمة الأدب في أمريكا وفي البلاد العربية، يستحضر معها ما كان عليه الأدب الأمريكي مع إرنست همنغواي، وبول بولز، ومارك توين، وبول أوستر صاحب "ثلاثية نيويورك"، ليس هكذا سننتج أدبا خالدا، بل ما ننتجه اليوم هو فقط أدبا استهلاكيا يرضي العاطفة والضمير وما شابه ذلك.. والدرس الأدبي يعاني من (أزمة النص الإبداعي)، كما من قبل الدرس القانوني يعاني من (دارس النص)، فهل من منقد؟.

إن القراءة فعل لممارسة المعنى، لكنه تحول بفعل الابتذال إلى ممارسة نمطية، أو إن الممارسة النمطية لم تعد لها أي حضور، فالكتاب هجر، والقراءة أصبحت صورة لمجال نظامي مرتبط بالمدرسة أو الجامعة، بل هو بناء بعيد عن المؤسسة قريب من الروح الإنسانية، فلا توجد القراءة كمجال متصل بالإنسان، الآن تتذكر بعضا من ذكرياتك فتدونها الآن، أستسمح قارئي العزيز إلى أن ادرجها قولا ناهيا بها المقال:

الكتاب هو الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يقليك، والرفيق الذي لا يَمَلَّك، والمستميح الذي لا يؤذيك، والجار الذي لا يستبطئك.

"وانت في سن صغير، قد قرات عدة كتب حكائيه مثل المقامات وما شابه من أدب الرحلة أو غيرها.. وقد اصفرت أوراقها، تقرأها بصعوبة، لكنك تحاول، لا زالت بعض قصصها راسخة في ذهنك، في ذلك السن تقرأ ثم يطرح لك سؤال أساسي من كاتب هذه والقصص، لا تجد جوابا كافيا، تواصل القراءة، كانت بدايتك معها، وانتقلت بعدها إلى كتب أخرى رسخت في ذهنك، هكذا كنت، وهكذا صرت، في هذه العوالم، منزويا هامشيا، تقرأ وتفرغ ما قراته في أوراق.

حتى أصبح أمامك أوراق ودفاتر كثيرة دونت فيها بعض من ما تحس به وتفكر فيه، وسرعان ما نسيتها، أصبحت ذكريات عصية، تتذكر شتاء أسفي، وأنت في سن صغير منزو في إحدى خزانات الحي، تقرأ كتابا، أو تخط في كتاب، جالس في وضع هامشي تطل على العالم الخارجي من زجاج النافذة، والشتاء تتهاطل حباته فوق الزجاج وفوق العشب ثم تعيد نظرك لكتابك الموضوع أمامك ، فغالبا لا تشارك في أنشطة التلاميذ الآخرين، تبقى وحدك، والكتابك أمامك، وقرطاسك وقلمك بجانبك.

الآن ترجع إلى زمنك الحاضر، تحن إلى ذلك الزمن، ثم تتأمل في سقف المنزل، وتغمض عينيك لعلك ترجع إلى ذلك المكان، أو إلى الأمكنة الأخرى.. أوراقك التي خطت فيها يدك بعضا من الكتابات (الأدبية والخواطر والآراء) تسأل عن مآلاتها، هل ستحرقها؟ أم أنك ستحاول إخراج بعضها للوجود؟ أم ستتركها هنالك ليتسرب إليها الاصفرار؟ ربما تمر عليها السنون فتصفر وتذبل وتموت معك.. وهكذا القراءة تموت في زمن الافول!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنتونيو غوتيريش من تفاقم الاضطرابات الأمنية بليبيا، وقال إنها تهدد بانزلاق إلى صراع واسع، وذلك أثناء استعراض تقريره الدوري لمجلس الأمن حول تقييم بعثته بليبيا.

الأكثر قراءة