الحداثة وسؤال الأنسنة

بداية وإزالة لأي لبس قد يثيره العنوان عن إمكانية تعاط سلبي يحمل شيئا من العداء للحداثة، وجب التأكيد والاعتراف بإقرار لا مواربة فيه، على أن الحداثة كمشروع فكري، قد وصلت بالإنسان إلى أرقى درجات الحضارة والرقي العلمي، بما جعل مستويات العيش وجودة الحياة هي الأفضل على الإطلاق على طول امتداد التاريخ البشري.

لكن ذلك لا يمنعنا في إطار مقاربة تفكيكية، تفصل بين المعطى المادي المؤكد عليه للتو وبين المعطى الإنساني الذي سنحاول سبر أغوراه، من خلال التساؤل فيما إذا كانت الحداثة قد حققت كمشروع عقلاني تلك المعرفة الكلية الإنسانية الشاملة عبر نسف ثنائية عالم الهنا و الماوراء من خلال فكرة أن العقل يضم داخله ما يكفي لتفسيره دون حاجة إلى أي متجاوز للطبيعة وللمادة، أم أنها حولت الإنسان إلى شيء وجزء لا يتجزأ من الطبيعة؟ وهل أفلح هذا المشروع في مساعدة الإنسان على تحقيق إنسانيته من خلال تحريره من أية أبعاد جوانية غامضة أم أنها حولته إلى إنسان اقتصادي إنما يُعرَّف في ضوء حواسه الخمس ومعدلات إنتاجه واستهلاكه؟

إذا كانت الفترة القروسطية قد تميزت من الناحية الفكرية بفكر ثابت وساكن، تحت مظلة الميتافيزيقا الإطلاقية والمتعالية التي جعلت النزعة الإنسانية متمركزة حول اللاهوت، بشكل تهيمن عليه فكرة الأبدية والخلود في الدار الآخرة، كتوجه لا يبقي أي معنى للحياة الدنيا، فإن التنوير الذي انبثقت بفضله الحداثة جاء كمخاض راديكالي أنار ظلمات الروح والفكر، فتولدت عنه نزعة إنسانية انقلابية جاءت متمركزة هذه المرة حول الإنسان والعقل المستقل كليا بذاته عن الدين، وهكذا راح مخيال التقدم عن طريق العقل الأدواتي والعلم التجريبي يحل كليا محل البحث الإيماني عن الخلاص الأبدي في الدار الآخرة، كما وراحت الفلسفة السياسية تحل محل اللاهوت السياسي الذي ساد خلال العصور الوسطى.

يأتي فرنسيس فوكوياما ويعلن نهاية الإنسان وانتصار الطبيعة/المادة، أي انتصار الموضوع اللاإنساني على الذات الإنسانية في ما يشبه نهاية التاريخ الإنساني وبداية التاريخ الطبيعي.

ولئن جاءت طروحات التنوير هاته كرد فعل استنكاري للعقل اللاهوتي المحافظ، المتسم بالإذعان للأمر الواقع في إطار غائي يبغي توظيف الوسائل خدمة لغايات فوق طبيعية متجاوِزة للإنسان، فإن العقل النقدي وبعد أن فتح باب الخلاص والتجاوز في بادئ الأمر، من خلال تحرير الإنسان وتمكينه من إدراك حقيقة الإمكانات المتجاوزة له كإمكانات كامنة في ذاته، بما يمنحه القدرة على رؤيتها كواقع ملموس، إلا أن هذا الواقع سرعان ما تهاوى حين ارتد العقل وتحول من عقل نقدي إلى عقل مادي أداتي، يعيش داخل حيز التجربة المادية، محكوما بحدودها في التزام أحادي البعد بالسيطرة على الطبيعة والإنسان دون غاية ذات مضمون، وهو ما يعني أنه استحال بدوره غير قادر على التجاوز، شأنه شأن العقل الوسيط، وإن بدا الاتجاهان متنافران، إلا أن العمق واحد وهو التنميط والتشيؤ والاغتراب.

وبالتالي، فالحداثة وإن جسدت كمشروع فكري نقلة حضارية كبرى، فهي لم تشكل تلك الجنة الموعودة على الأرض، فالمشروع وهو يؤكد من خلال طروحات التنوير على العقل والمنهجية النقدية والحريات الفردية، قد مكن الفكر الغربي من وضع حد للميتافيزيقا الدينية على أساس تحرر الإنسان من لاهوت العصر الوسيط، إلا أنه قد نقل عبوديته من مجال الميتافيزيقا إلى مجال عالم الأشياء، التي جعلت الإنسان المعاصر فاقدا لذاته، وهو يرزح تحت أسر عجلة الإنتاج والاستهلاك، وبذلك لم ينته الإنسان لما بشرت به الحداثة، فلا سعادة تحققت ولا الأمن ساد العالم.

وهو ما حدا بواحد من أبرز وجوه عصر ما بعد الحداثة، كميشيل فوكو الذي توصل بفلسفته الأركيولوجية، لاعتبار الإنسان ابتكارا حديث العهد، أي ليس أكثر من مفهوم مؤقت استدعاه النسق المعرفي لمشروع الحداثة، و بعد أن انقضت فترة الترقية فإن ذلك القناع قد حان وقت تمزقه و تلاشيه، ليعود الإنسان كما كان من قبل مجرد كائن من بين الكائنات.

يدخل العالم في نظام عالمي جديد، يصبح الإنسان فيه كائنا طبيعيا لا عمق له ولا ذاكرة ولا قيم، يبدأ من نقطة الصفر وينتهي إليها، عالم كل فرد فيه عبارة عن جزيرة منعزلة أو قصة قصيرة.

هكذا وبعد أطروحة "موت الإله" المعبر عنها سابقا من طرف نيتشه (لا كتعبير حرفي عن موت الله بل كإشارة لنهاية التدين التقليدي في الغرب)، يخلص فوكو لأطروحة "موت الإنسان" ضاربا بعرض الحائط المشاريع الفكرية الحديثة، المرتبطة بالعقل والحرية والأنسنة نظرا لتحولها بدورها لأسس ميتافيزيقية وروايات طوباوية.

ثم يأتي بعد ذلك فرنسيس فوكوياما ويعلن نهاية الإنسان وانتصار الطبيعة/المادة، أي انتصار الموضوع اللاإنساني على الذات الإنسانية في ما يشبه نهاية التاريخ الإنساني وبداية التاريخ الطبيعي.

وهنا يتم الانتقال إلى العيش في مجتمعات تتأكد فيها الصبغة المادية التي يتم اتخاذها محورا لنشاط الإنسان في كل الميادين، في بناء يرتكز على مبدأ اقتصادي يفترض ضمنا أن غاية الإنسان الكبرى هي تحقيق الربح والمصلحة الذاتية، وهي غاية مادية صرف، يتم تغليفها بواجهة تتخذ شكلا روحيا رفيعا، ينصب فيها السياسيون -ومن يدورون في فلكهم- أنفسهم كمدافعين عن كرامة الإنسان، والمبدأ هذا لا يخص الأفراد فحسب، بل يتم تطبيقه بين الدول كذلك في علاقات دولية يتجاهل فيها حافز الربح أي نظرة إنسانية كونية، فتفقد شعارات حقوق الإنسان التي ترفعها الدول الكبرى معناها وتفرغ من محتواها في ظل سياسات فعلية منشغلة بالمصالح الاقتصادية وفقط.

وبكل ذلك يدخل العالم في نظام عالمي جديد، يصبح الإنسان فيه كائنا طبيعيا لا عمق له ولا ذاكرة ولا قيم، يبدأ من نقطة الصفر وينتهي إليها، عالم كل فرد فيه عبارة عن جزيرة منعزلة أو قصة قصيرة، يبني قيمه حسب الإشارات التي تأتيه من أصحاب القرار عبر الإعلانات ووسائل الإعلام، فتختفي الذاتية والحضارة والإنسان وتختفي معها أية قداسة أو أسرار، فيتساوى الإنسان بما حوله من مكونات الطبيعة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أقيمت عدة فعاليات ثقافية بمناسبة زيارة الناقد والمفكر والشاعر المغربي محمد بنيس للخرطوم لأول مرة، وهو الذي يحظى بكثير من القراء والمتابعين في الحقل الثقافي السوداني منذ ثمانينيات القرن المنصرم.

يأتي هذا الكتاب -الذي يمثل الجزء الثالث من مشروع العرب والحداثة- ضمن مسار الحداثة العربية، فالتفكير في الحداثة العربية ليس تفكيرا في تاريخها فحسب، بل أيضا تفكيرا فيما قبلها (التراث).

الأكثر قراءة