نحو فهم عقلاني لظاهرة "الإلحاد" في العالم العربي

blogs ظاهرة الإلحاد

"أحيانا لا تؤمن بالله حتى تكفُر بالمعبد الذي يرفع اسمه"

(عبد الرزاق الجبران) 

 

ما هو الإلحاد؟

لا فائدة من البحث عن تعريف دقيق محدد تقدمه المعاجم، لأن الظاهرة الموجودة على أرض الواقع في مجتمعاتنا والتي يُشار اليها بهذا الاسم لا تلتزم بالضرورة بأي تعريف. لا يُمكن محاصرة الإنسان ومواقفه في تعريفات مؤمن/ملحد/لا-أدري، لأن الذي يوجد في الواقع أعقد وأكثر تركيبا من اللغة والكلمات. هناك بعض الناس الذين يضعون أنفسهم داخل حدود تلك التعريفات بوعي أو بغير وعي، وهؤلاء يحصرون أنفسهم داخل حدود موجودة سلفاً قبل أن يولدوا وقبل أن يفكِّروا. المشكلة هُنا تتعلق بالصلة بين اللغة والواقع، ومحاولة استيعاب الواقع الانساني المتحرك والمتغيِّر دوما في قوالب لغوية ثابتة جامدة.

 

الظاهرة التي يُشار لها بالإلحاد موجودة بكل تأكيد، وبصور متعددة ومتباينة ومختلفة. فقد تجد إنسان يعتبر نفسه مؤمنا ولكن بعض خصومه يصفونه بالإلحاد، وقد تجد آخر يعرِّف نفسه كمُلحد لمجرد كونه يعيش حالة شعورية معينة. وبالطبع الانتماء للإلحاد ليس مثل الانتماء للدين إذ لا أحد يخرجك من "ملة الإلحاد" بسبب عدم تطابق مواقفك مع محددات معينة، بينما في الدين هناك شروط قد تُخرجك من المِلّة الدينية كما تحددها السلطات الاجتماعية التاريخية السائدة.

نفس الأمر ينطبق على الظاهرة التي يُشار إليها بالدين أو الإيمان هي كذلك تضم مواقف متباينة، وقد يكون الانتماء للموقف الديني مجرد تقليد مثلما أن الموقف الإلحادي قد يكون كذلك تقليدا. وقد يكون موقفا إيمانيّا أصيلا، مثلما أن الإلحاد قد يكون موقفا فلسفيا أصيلا.

 

ماذا؟ أليس الإلحاد كذلك موقفا دينيا، مثل الإيمان؟  

كلا، إن الإلحاد موقف فلسفي، وذلك في الحالات الأكثر جدِّية للإلحاد. هُناك حالات أُخرى أقل ما يُمكن أن توصف به هو أنها غير جادة، غير ناضجة وغير عميقة.

 

لماذا هو موقفٌ فلسفي وليس ديني؟

لأن قضية الأساسية للإلحاد "قضية وجود الخالق" تُطرح على مستوى فلسفي، كقضية برهانية. فالملحد قد يكون كذلك لأنه يملك الحُجج والبراهين التي يعتبرها ضرورية للاقتناع بصحة هذه القضية الأساسية.
 

إن الدين في صورته المؤدلجة قد تم إخضاعه للاختبار ولأسئلة الواقع والتاريخ المعرفية والسياسية والاجتماعية بالإضافة لأسئلة الإنسان الوجودية. أي أن الدين قد أُخضِع للمساءلة وفق معايير وتوقُعات عالية إن لم نقُل مطلقة

هل هناك أسباب أُخرى لما يُوصف بالإلحاد في مجتمعاتنا؟

 هناك أسباب متعلقة بالواقع وباللحظة التاريخية التي نمُر بها. فهناك توقُّعات وآمال كانت "الصحوة الاسلامية" قد وضعتها وعلَّقتها على "الدين كآيديولوجيا"، وقد جاءت هذه التوقُّعات والآمال في إطار تصوُّر شامل للوجود والحياة و"لدور الله" في التاريخ، ولقُدرة الآيديولوجيا الدينية على إنجاز النهضة الحضارية للأمة الإسلامية، بل وإصلاح العالم بأسره. ولقد اصطدمت هذه التوقُعات وما تزال تصطدم بالواقع.

 

الإشكالية هُنا أن الدين في صورته المؤدلجة قد تم إخضاعه للاختبار ولأسئلة الواقع والتاريخ المعرفية والسياسية والاجتماعية بالإضافة لأسئلة الإنسان الوجودية. أي أن الدين قد أُخضِع للمساءلة وفق معايير وتوقُعات عالية إن لم نقُل مطلقة. وعندما لم يجد البعض الإجابات المطلوبة على النحو المطلوب والمتوقّع، رفضوا الدين في ذاته، ورفضوا الايمان بالله كذلك كقضية أساسية ومركزية في الدين.

 

الخطأ الذي وقعت فيه الصحوة الاسلامية وما تزال، هو طرح الدين كآيديولوجيا للخلاص السياسي، وكوصفة سماوية للنهضة والتقدُّم، وكمرجعية معرفية للإجابة على جميع الأسئلة الوجودية والفلسفية والعلمية وعلى كل شيء. ليس هذا وحسب، بل رسمت دورا محددا لله في التاريخ، يُمكن رصده وقياسه والتنبؤ به، أي يُمكن تجريبه في التاريخ والحُكم عليه (قبل فترة قرأت قصة فتاة تقول انها تركت الدين لأن الصلوات والأدعية الكثيرة لم تأتي لها بالعريس! بالطبع هذا نموذج سطحي ولكنه ذو دلالة في هذا السياق). وهذا الأمر جعل من الدين قضية قابلة للتفنيد والدحض الموضوعي. بكلمات "كارل بوبر" أصبح الدين قضية قابلة للتكذيب.

 

إن النظرة المتعمقة لظاهرة "رفض الدين" والتي توصف على نحو غير دقيق بالإلحاد، تدُل-من المنظور السوسيولوجي – على أن هذا الرفض ليس بالضرورة رفضا لجوهر الدين، على اعتبار أن جوهر الدين ليس هو قضايا الاعتقاد المُصاغة لاهوتيا وفقهيا، ولا هو الآيديولوجيا السياسية الخلاصية التي سبق ذكرها، ولا حتى الصور التاريخية للتديُّن المتجسدة في النصوص الدينية. بلغة الدين نفسها، إن كل ذلك ليس هو الله.

 

إن كلمة "الله"، "فكرة الله"، "كلام الله"، "تفسير كلام الله "،"إرادة الله" كلها ليست هي الله. هُناك مسافة حتى داخل الدين نفسه بين الله كمطلق "ليس كمثله كشيء"، وبين الله المتجسِّد في اللغة والتاريخ. إن الإلحاد هو دائما رفض لله المتجسِّد في الفكر واللغة، أو المتجسد في التاريخ و"المعبد" والسلطات الدينية. وفي أقوى الفروض هو رفض لقضية وجود الله كقضية فلسفية.

 

إن الذين يُمكن أن يجدوا الله هم الذين يبحثون عنه ويسعون ويتوجهون نحوه، وهذا البحث والسعي هو كل القضية.

في مقال سابق بعنوان "في مسألة وجود الخالق" أوضحت أن الانفصال بين اللغة والواقع، وكذلك الانفصال بين الفكر (أو العقل) والواقع، يجعل من غير المجدي مناقشة هذه القضية فلسفيا. إن الفلسفة تدور حول القضايا، ولكن انفصال الواقع عن العقل يجعل من القضايا التي يتوصل اليها العقل -إثباتا ونفيا- أفكاراً في العقل، بلا سُلطان على الواقع المستقل عن العقل/الفكر. فإذا برهنت بالعقل "أن الله موجود" أو برهنت القضية المعاكسة، فإن هذه البراهين لا تملك سُلطة على الواقع غير الخاضع لطريقة اشتغال العقل، وغير الخاضع للغة. ولذلك فإن الإيمان/الرفض قد يكون إيمانا أو رفضا لقضية فلسفية، أي إيمان/رفض لفكرة متجسدة في لغة وكلمات وحُجج.

 

هل أدعي بأنني وجدت الله الحقيقي المفارق للوعي والفكر واللغة؟

من الذي يجرؤ على ذلك! القرآن نفسه يقول "آمَنَ الرسُولُ بما أُنزل إليهِ مِنْ ربِّه والمُؤمنُون…" فالنبي محمد الذي هو القائد الأول للركب المتوجه نحو الله، هو مؤمن، يؤمن بما أُنزِل اليه من الله، يؤمن بأنه نبي ورسول، يتعبّد، يرفع يده نحو السماء بالدعاء يسأل الله ويلح في السؤال. فجوهر العلاقة حتى بين النبي والله هو الإيمان. وهنا الايمان لا يعني مجرد التصديق الذهني بمعارف دينية، وإنما هو حالة وجودية عميقة وتجربة حيّة قوية.  

 

 لا أحد يعرف على وجه الدقة ماهية التجربة الدينية للنبي محمد، فهُناك حاجز اللغة والتاريخ بالنسبة للماضي، وبالنسبة لنا هُناك أُطر الوعي والعقل والشعور الخاصة بنا، فنحنُ جزء من التاريخ يصوغ وعينا وعقولنا وشعورنا، ولا نرى العالم والوجود إلا من خلال الإطار التاريخي والفكري الذي يشكل رؤيتنا. ولكننا نعرف أن الأنبياء وعموما القادة الروحيين والعارفين يمرون بتجارب دينية هي جوهر الدين وأساسه، وعندما يعبِّرون عنها فإنهم يستخدمون اللغة والعقل حسب التاريخ والثقافة.

 

إن الجوهري في الدين، وغير القابل للدحض والإنكار هو البحث عن الله، أو السعي والتوجه نحوه. ومنطقيا لا يُمكننا أن نقول يجب أن نجد الله أولا ثم من بعد ذلك نسعى نحوه، فهذه قضية معكوسة منطقيا، إن الذين يُمكن أن يجدوا الله هم الذين يبحثون عنه ويسعون ويتوجهون نحوه، وهذا البحث والسعي هو كل القضية. الناس خلال هذا السعي قد يمرون بتجارب دينية، وقد لا يمرون.

 

الله هنا لا يكون قضية اعتقادية كلامية أو فلسفية، ولا نصوص دينية، إنه غير محدد أو غير قابل للتحديد "ليس كمثله شيء" كما يقول القرآن، ولذلك فإنه يوجد كغاية وكمنتهى بالنسبة للباحثين أو المتوجهين نحوه.   
 

إن الأنبياء كانوا يملكون شجاعة نادرة، شجاعة أن يرفضوا الآلهة والأصنام المقدسة في زمانهم، وهذا يعادل من حيث الخطورة (لا من حيث المضمون والقيمة) أن يعلن أحدهم "إلحاده" على الملأ في إحدى الدول العربية

قد يقول الملحد متحسرا (أو غير متحسر) إنني قد بحثت عن الله، ولكنني لم أجده، وإذا كان متفائلا فسيقول إنني آمل أن أجد الله يوما ما، ولكنني الآن لا أملك لا التجربة ولا الأدلة التي تحملني على الايمان. وهذا موقف فلسفي معتبر وجدير بالاحترام، فضلا عن أحقيته في الوجود مثل الايمان تماما.

 

ولكن يُمكننا أيضا أن نفهم ما يوصف بأنه إلحاد، على الأقل عند البعض، بأنه خطوة نحو الله، وذلك إذا فهمنا أن ما يتم إنكاره ورفضه ليس هو الله ولا الدين، وإنما هو "المعبد" كما يقول عبد الرزاق الجبران، بل هو الوثن والصنم الذي أصبح يُعبد على أنه هو الله. إن القضايا الفلسفية والكلامية حول الله والعقائد يُمكن أن تكون أصناما، وإن تحطيم هذه القضايا قد يبدو مخيفا وقد يبدو انتهاكا وكُفرا، ولكنه أيضا قد يكون خطوة في الاتجاه الصحيح، خطوة نحو الله!

 

إن الأنبياء كانوا يملكون شجاعة نادرة، شجاعة أن يرفضوا الآلهة والأصنام المقدسة في زمانهم، وهذا يعادل من حيث الخطورة (لا من حيث المضمون والقيمة) أن يعلن أحدهم "إلحاده" على الملأ في إحدى الدول العربية. مع أن هذا "الإلحاد" قد يكون رفضا لقضية، أو لفكرة أصبحت تُعبد على أنها الله.

 

فالأنبياء أيضا رفضوا في البداية ما اعتبروه خاطئا، كفروا بالآلهة التي يصنعها البشر، ثم بحثوا من بعد ذلك عن الحقيقة. وليست مهمة النبي، على الأقل كما ينبغي أن نقرأها، أن يحطِّم الأصنام ليقيم مكانها صنما آخر اسمه "الحقيقة"، وإنما أن يضيء الطريق أمام الناس ليمضوا فيه بأنفسهم، وهذا ما قام به بعض المتصوفة في الاسلام على أكمل وجه، حيث اعتبروا أن مهمة الدين هي الإشارة الى الطريق، وليس الطريق ذاته، فضلا عن كونه هو الغاية النهائية.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان