مَقامُ الصمت

لم أجد لعمرانَ إذ انتشلوهُ من أسفلِ الأنقاضِ أبلغَ من الصمت، ولم أعلم لإيلانَ المُلقى على ساحلِ البحرِ أشدَّ منه وأعظمَ.. طفلٌ أجلسوهُ على كرسيٍّ بسيارة الإسعاف، تحيطه العدسات، وجهٌ قد شوهتهُ الأنقاض وعينٌ لا تكاد تنفتح إلا على قليلٍ، ربما كان تهامسُ المصورين حينها اعتداءً على قدسية المشهد، والأقرب أن أحدًا من الحضور لم يتفوه بكلمةٍ، تمامًا كذلك الصغير، ثم يأتي من بعد ذلك إيلانُ يحمله الموجُ وتهوي به الريح على ساحل البحر، لا شيء يقطع الصمت غير صوت الريح.


لعل الموقفين قد استمدا من أثر الصمت عِظمَ الأثر، ومن جلالِ السكون صورةً رسخت في قلبِ الإنسانيةِ المُنهك، ولِمَ لا! والصمت قرين المهابة، لم يكد يملك وجه عمران أو جسد إيلان إلا وقد فاضت لهما دموع البشر، كانا يملكان الصمت، الصمتُ فقط أبلغُ حينها من ألف بيتٍ، وأمضى من ألفِ حسامٍ ، وأنكى من ألف عبارة تضامنٍ ولفظةِ أسفٍ وحسرةٍ تقال علي محملِ التعود والتكلف، وتُغزل علي نَولِ الهوانِ والتقاعس.


لا غروَ أن يكونَ الصمتُ من أولِ أركانِ الصوفيةِ، وأن يعتبرَهُ أهلُ البلاغةِ والفصاحةِ من حكماءِ العربِ مشكاةَ الحديثِ، وإن زعَمَ أهلُ الموسيقى أن للحزنِ مقامًا هو مقام الصَّبا، وللفرحِ آخر هو النهاوندُ، فإن للجلالِ والعظمةِ والتدبرِ مقامًا هو مقام الصمت.

يتحدث بالإنجليزية ما يقارب ربع عدد سكان الكوكب، وبالفرنسية يتحدث 3.05 في المائة من عدد السكان، أما العربية فيتحدث بها 6.6 في المائة من سكان العالم، هكذا أشارت لنا الإحصائيات غير أن لغةً تحسنها فطرةُ جميعِ البشر، تدعى لغة الصمت، يسبق الميتُ فيها الحيَّ، بل وكثيرًا ما يعجزه فيها ببلاغةِ صمتِه.


يُحكى أن ابن مالكٍ حين كتب ألفيته قال فيها:

وتقتضي رضًا بغيرِ سخطِ … فائقةً ألفية ابنِ معطي
بالغـةً فـي الـعـد ألفَ بيـتِ …
ثم لم يجد ما يُتم به عجزَ البيت، ونام، فرأى في منامه ابن معطي يبتسم له ويقول:
والحيُّ قد يغلِبُ ألفَ ميتِ
لعل ابنَ مالكٍ هنا علم أن صمتَ الأموات أبلغُ من كلام غيرهم والعاقل من اهتدى بصمتهم.


ويُروَى عن الوزير المغربي قولُه:

مــررتُ بـقـبرِ ابـنِ الــمُبـاركِ غـدوةً
فأوسَـعـني وعـظًـا ولـيسَ بـناطِـقِ
وقد كُنتُ بالعِلمِ الذِي في جَوانِحِي
غَنِـيًا وبالـشـيـبِ الذِي فِي مَفارِقي
ولكٍـن أرى الــذكـرى تــنـبِّـهُ غـافـلاً
إذا هٍـي جـاءت مِن رجالِ الحقائقِ.


ولما كان تعريفُ البلاغةِ أن لكل مقامٍ مقالاً، فإن الصمتَ على سكونه في كثيرٍ من الأمرِ هو أبلغُ المقال، ولعل القرآنَ الكريمَ أشار إلى ذلك في كثيرٍ من القَصَص.

كان اللهُ قد أمر مريمَ الصِديقةَ لما وضعت عيسى عليه السلام وأتت به قومها تحمله أن تؤثرَ الصمت، وأيُّ كلامٍ قد يُجدي فتاةً عذراءَ تحملُ ابنَها بين يديها! وأيُّ قولٍ قد يُصدقه القومُ إن هي أقسمت فأكثرت القسم! إن شهادتَها لنفسِها مجروحةٌ عند قومِها، والأشدُّ من ذلك أنهم أمام رذيلةٍ في قانون البشر لم يعلموا أن للسماءِ معجزةً خرجت من بطنِ مريم، فما كان لها إلا الصمت، الصمت فقط، لتمهدَ به ظهورَ تلك المعجزة فتكتمل الآية، وينطِق المسيح الرضيع "إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًا".


كثيرًا ما كنت أتساءل، لماذا تظل الأوطانُ ساكنةً ساكتةً في حينِ تُنتهَكُ حرمتُها! أيسُرُّها أن ترى أبناءَها بين شهيدٍ وشريدٍ أم أن صمتَ عمرانَ وإيلانَ لا يَحمِل إلا على مثلِه! ربما فضلت الأرضُ ترانيمَ الصمتِ كما فعل الطفلانِ فكان صمتُهُما من صمت الوطن، أو ربما هو سكونُ وعيٍ بعدَه العاصفة.


لا شكَّ أن للكلامِ مقامًا يتطلبُ الأمرُ فيه الحديثَ انطلاقًا من زنادِ الصمتِ الذي يَحسُن فيه التدبرُ والسماعُ، ومن ثَمَّ يتشكلُ الردُّ موزونًا في ذهنِ المتلقي ساعةَ الصمت، وما أحوجَنا في هذا الزمنِ إلى اكتسابِ أدبِ الإنصات، ومن ثم إيفاءُ الرد وإحكامُ الحديث.


فلا غروَ أن يكونَ الصمتُ من أولِ أركانِ الصوفيةِ، وأن يعتبرَهُ أهلُ البلاغةِ والفصاحةِ من حكماءِ العربِ مشكاةَ الحديثِ، وإن زعَمَ أهلُ الموسيقى أن للحزنِ مقامًا هو مقام الصَّبا، وللفرحِ آخر هو النهاوندُ، فإن للجلالِ والعظمةِ والتدبرِ مقامًا هو مقام الصمت.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة