مسكينة أنتِ يا غزة!

غزة.. لم يجدوا لك حلولاً منذ سنوات عديدة، فرضوا عليكِ الأزمات كحلول من باب "عالج الأزمة بأكبر منها"، لكنها لم تُجدي وتنفع، حاربوا أبنائك بمقومات حياتهم الأساسية من خلال حصارٍ شارك فيه القريب والبعيد، لكنهم لم يفحلوا أيضاً، شددوا الخناق بقطع قوت الأطفال، لكنهم ما علموا أنهم بذلك يصنعون جيلاً قاسي بقساوة أفعالهم، شنوا عليكِ حروباً ثلاث كل واحدة أشد من الأخرى، لكنك خرجتِ من تحت الدمار بعزيمة أقوى، وبعد هذا كله يعودون للتلويح بخيارات غير مسبوقة، فما الذي بقي في جعبتهم وما زال ينتظرك نهاية الشهر الجاري.

ولمن لا يعرف غزة؛ هي جزء أصيل من الأرض الفلسطينية ومساحتها لا تزيد عن 365 كيلو متر مربع، ويحدها البحر غرباً والجمهورية المصرية جنوباً والأراضي المحتلة شرقاً وشمالاً، ويعيش على أرضها ما يقارب 2 مليون إنساناً قدرهم العيش في البقعة الأكثر صراعاً في التاريخ الفلسطيني الحديث.

والكهرباء تُعد أبرز الأزمات الحاضرة في حياة غزة، والمتفاقمة كل ثلاث شهور مرة بأشد من سابقتها، ولم تستطع دول عظمى من استئصال هذه المعضلة من الواقع المرير الذي تغلغل في كل أزقة المخيمات بالقطاع المحاصر، لا أموال الداعمين ولا الاقتراحات الاستراتيجية البديلة استطاعت أن تنتشل كهرباء غزة من وحل الأزمات.
 

لا يبتعد معبر رفح عن قمة أزمات غزة كونه المنفذ البري الوحيد للحالات الإنسانية الراغبة بالسفر، فمنهم من أحوجه المرض للبحث عن العلاج والأمل في الحياة، ومنهم من يريد اكمال مسيرته التعليمة في جامعات الخارج

ولعلّ أزمة الرواتب أيضاً كانت ضمن باكورة الأزمات التي تغزو غزة، وما يُميزها هذه الأيام أنّها طالت بخصوماتها "موظفي السلطة بغزة" في سابقة هي الأولى منذ سنوات الحصار، مما أدى لخروج الآلاف من الموظفين للتنديد بهذا القرار الذي يمس باقتصاد غزة المنهار أصلاً منذ سنين، إلى جانب العوامل الأخرى التي دمرت المستوى الاقتصادي الفلسطيني بشكل عام.

ولا يبتعد معبر رفح عن قمة أزمات غزة كونه المنفذ البري الوحيد للحالات الإنسانية الراغبة بالسفر، فمنهم من أحوجه المرض للبحث عن العلاج والأمل في الحياة، ومنهم من يريد اكمال مسيرته التعليمة في جامعات الخارج، وآخرين من أصحاب الإقامات وحملة الجوازات الأجنبية الساعين للعودة لمكان إقامتهم بعد زيارتهم لذويهم في غزة، لكن جميعهم منعهم حاجز "الحرية" من تحقيق مطالبهم الإنسانية على البوابة الحديدة المقفلة غالبية الشهور، والتي لا تفتح إلا لأيام قليلة في السنة الواحدة.

وكل يوم خريجي غزة وشبابها يأملون بانفراجات قريبة تُخلصهم من الواقع الأسود الذي تزاد ظلمته يوماً بعد يوم، لكنهم مع إشراقة كل أمل تباغتهم قرارات تزيد قسوة حياتهم وتُعيد مشهد الإحباط لحاضرهم ومستقبلهم، بل وصلهم إحساس غريب بـ "تلذذ المسؤول" على معاناتهم وآلامهم دون أن يأبه بالعمل على حلّها إنما يتفنن في زيادة تعقيدها.

وما يزيد الأسى أن يتم الحديث مراراً وتكراراً عن مسلسل المصالحة، الذي أصبح "لعبة سياسية" يتم استخدامها وقت الحاجة لتخفيف الضغط الدولي عن شتى الأطراف الفلسطينية، وما هو راسخ أنّ أهل غزة لا يؤمنون بهذه الأسطوانة، لأنّها كلما ارتفع صوتها زاد الحصار من حلقاته وضيّق على أناسٍ لا يريدون سوى العيش بكرامة.

ورغم مشاهد الألم السابقة التي عاشتها غزة وما زالت تعيشها ولا تعلم متى تنتهي، جاء في الأيام الأخيرة رئيس السلطة محمود عباس إلى مؤتمر سفراء السلطة الفلسطينية الذي عقد بالبحرين، ليعلن من جديد أنّه سيتم اتخاذ إجراءات غير مسبوقة وخطوات حاسمة في الأيام المقبلة تجاه غزة.

وأمام هذا كله يتساءل أهل غزة ماذا بقي من خطوات لم نتذوق مرارتها بعد؟ وماذا تُخبأ الأيام بجعبتها؟ وهل عشر سنوات من الحرمان لأبسط الحقوق غير كافية لإنهاء مسلسل الظلم بلا رجعة؟ ومتى تنتهي دائرة الأزمات التي طالت بكل ما تحمله الكلمة؟ وكيف السبيل للخلاص من القيود المفروضة؟



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تعرف قرى عدة في شمال أفغانستان بالأصول العربية لسكانها الذين يتحدثون العربية بالإضافة إلى البشتونية والفارسية، وتفتقر هذه القرى، التي باتت تعرف بالقرى العربية، للخدمات الأساسية.

الأكثر قراءة