سوريا وعجز القانون الدولي

على هامش قضايانا الإنسانية في المنطقة العربية وسوريا تحديداً، نتساءل جميعاً عن جدوى وجود قوانينٍ ومنظماتٍ دولية مادامت عاجزة عن وضع حد لمآسينا في الشرق الأوسط، عاجزة عن تحقيق السلم العالمي. فيبدو الأمر مزدوجاً ومتناقضاً تماماً لما نقرأ ديباجة ميثاق الأمم المتحدة التي تُفتتح بـ"وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب.." ولما نحلل الوضع الحالي على الساحة خصوصاً مسألة تدخل الولايات المتحدة الأمريكية لشن ضرباتٍ على سوريا. ومن هنا علينا أن نضع فائض إنسانيتنا على جانب الرصيف قليلاً وأن نقف عند الوضع الحالي لسوريا لنحدد مدى شرعية هذا التدخل من منظور القانون الدولي.

 

لا مبررات لدينا إلا أن مجلس الأمن بتركيبته اللامتناسقة واللامتجانسة لا تعكس في الواقع إلا هيمنة تامة للدول المنتصرة في القرن الماضي على دول الجنوب، ولا تعكس سوى سيادة منطق الغلبة

بادئ ذي بدئ، تجدر الإشارة إلى أن أسمى مبدأ في العلاقات الدولية هو مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، ويتفرع عن هذا المبدأ مبادئ أخرى كمبدأ عدم جواز استعمال القوة أو التهديد باستعمالها، وكذلك مبدأ عدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية والخارجية للدول، إذ تعد هذه المبادئ من النظام العام الدولي ومن القواعد الآمرة التي لا يجوز أبداً مخالفتها تحت أية ذريعة وأي مُسمى، فهي مبادئ أممية بالأساس، إلا أن الفخ الذي نقع فيه دوماً كمتتبعين للساحة، هو المقارنة ما بين الواقع والنص بمنظورٍ مثالي وناءٍ عن الأبعاد البرغماتية المصلحية للدول، فمن الناحية القانونية الدولية نحن نسلم بعدم شرعية أي تدخل سياسياً كان أو عسكرياً أو حتى اقتصاديا وعلى أي دولة بأي حال من الأحوال مادام أنه لم يمُر من مجلس الأمن الذي قد يستدعي تدخله بموجب الفصل السابع من الميثاق باعتباره الجهاز المنوط له مهمة حفظ الأمن والسلم الدوليين سواءً بالطرق التوافقية أو الزجرية.

 

ولنكن واقعيين أكثر، إن الإشكال المطروح يكمن في المنطق الذي يسير به مجلس الأمن، أو بالأحرى دول مجلس الأمن؛ فالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا تؤيد كل تدخل ضد سوريا، وروسيا والصين تعترضان على كل طرح، ولا مبررات لدينا إلا أن مجلس الأمن بتركيبته اللامتناسقة واللامتجانسة لا تعكس في الواقع إلا هيمنة تامة للدول المنتصرة في القرن الماضي على دول الجنوب، ولا تعكس سوى سيادة منطق الغلبة، والمصالح الاستراتيجية المتضاربة، وحُكم السياسة بدل القانون.

 

لقد سبق وأن رأينا سيناريو خروج الولايات المتحدة الأمريكية عن الشرعية القانونية إثر أحداث الـ11 من سبتمبر والتي دخلت بموجبها أمريكا أراضي أفغانستان بذريعة مكافحة الإرهاب، بل لطالما ما نجد الدول العظمى تستعمل مصطلحات تبريرية من قبيل (إشاعة الديموقراطية، حقوق الإنسان، مكافحة الأسلحة النووية..) للتدخل العسكري و الأمني على الدول (تدخل العراق لوقف انتهاكات الأكراد دون تفويض مجلس الأمن – أفغانستان – ليبيا ..) رغم أن مفهوم الإرهاب نفسه في القانون الدولي هو مفهوم مبهم وغير محدد، إذ أنه تارة يختلط بجرائم الحرب وتارة ثانية بجرائم العدوان، بل يختلط حتى بالجريمة العادية، ناهيك عن غياب إطار قانوني دولي محدد وشامل ومعترف به من الجماعة الدولية لتنظيمه، وعلى أية حال، نجد الآن التدخل في سوريا قائم تحت ذريعة استعمال الأسلحة الكيماوية التي تُعد محرمة في القانون الدولي الإنساني.

 

نحن نتخبط ما بين الإنسانية باعتبارها قيمة شمولية تتعدى الشؤون الوطنية ولها صبغة عالمية، واستعمالها الموازي كأداة سياسية مسخرة للاستجابة للمصالح

سواءً كانت إشكالية التدخل قد لاقت استجابات مختلفة ما بين مؤيد يؤكد الإلزامية الأخلاقية للدول في مساعدة الضحايا المدنيين، و معارض يؤكد أن مسألة التدخل ماهي إلا حجة واهية لتحقيق مجموعة من التوجهات الاستراتيجية للدول الانتهازية، فلا يسعنا هنا سوى أن نقف عند مجموعة من الملاحظات، أولها أن القانون الدولي أساساً لا يشفي فضولنا؛ بل على العكس تماماً، بحيث نجد القانون الدولي الإنساني مثلاً يطرح أكثر من علامة استفهام وتعجب، فهو يتناقض مع نفسه تارة و يثبت مكامن خلله ونطاق -لا تَواجُدِهِ- تارة ثانية؛ فهذا القانون ما هو إلا أرضية خصبة لتسييس الإنسان وتمرير القرار السياسي من خلاله..

 

فعلى سبيل المثال ميز ما بين النزاعات المسلحة الدولية (تكون بين دولة ودولة أو بين جهاز و شعب طامح في حق تقرير المصير) من جهة و النزاعات المسلحة الغير دولية (الأهلية) من جهة أخرى من حيث مدى شمولية الحماية، كما أنه نص بصريح العبارة (المادة الأولى من البروتوكول الأول) على أنه لا يطبق أثناء الاضطرابات والتوترات الداخلية، ولهذا غالبا ما نجد الأنظمة القمعية تتحجج بأن فوضاها هي شأن داخلي بحت ولا ترقى إلى نزاع مسلح أو أنها نزاع مسلح غير دولي، حتى يتم احترام مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول كمبدأ حامي للسيادة، أو حتى تكون الحماية مجحفة في حق الجماعات التمردية، وبالتالي يندثر مبدأ حق الشعوب في تحقيق المصير؛ بيد أن نفس المسألة المتعلقة بالتدخل الإنساني لها أبعاد أخرى..

 

وتبقى المسألة المطروحة تتعلق بجواز تدخل الدول لتحقيق أهداف إنسانية، حيث يكون مشروعاً شريطة ألا يتجاوز هدفه الإنساني و أن يكون أممياً، ونحن نتخبط ما بين الإنسانية باعتبارها قيمة شمولية تتعدى الشؤون الوطنية ولها صبغة عالمية، واستعمالها الموازي كأداة سياسية مسخرة للاستجابة للمصالح، بحيث إن التدخل الأمريكي مراراً وتكراراً دون تفويض أممي ودون سند قانوني؛ لا يؤكد في الواقع سوى أن هذه الدولة هي دولة خارجة عن النسق الدولي تتمرد على نظامه، و تؤكد غياب رأي عام فعال خصوصاً في المنطقة العربية، وتؤكد أكثر من أي شيء تخاذل منظمة الأمم المتحدة عن تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني وبالتالي أزمة شرعية دولية، ورغم وجود المثال السوري حالياً، إلا أن المثال الفلسطيني يبقى دائماً وأبداً يذكرنا بجدوى هذه القوانين والمنظمات.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

حذرت هيئات إسلامية مقدسية من مضي الاحتلال في فرض أمر واقع بقوة السلاح في المسجد الأقصى، وقالت إن شرطة الاحتلال تسمح لليهود باقتحام الأقصى والتغاضي عن أدائهم صلوات تلمودية.

أكد الإيطالي كارلو أنشيلوتي مدرب بايرن ميونيخ الألماني ثقته بحظوظ فريقه في تخطي الدور ربع النهائي لمسابقة دوري أبطال أوروبا لكرة القدم رغم خسارته أمام ضيفه ريال مدريد الإسباني 1-2 ذهابا الأربعاء.

الأكثر قراءة