حليب أطفال غزة وحرب شاملة قذرة!

لم أكن لأتخيل في يومٍ من الأيام أن العقلانية ستقود الناس إلى هذا الجنون؛ ليقبلوا تحليلًا أو يروجوا فرضيات إجرامية يخجل الاحتلال نفسه عن التبجح بها وإن كان هو من يقف خلفها ويحركها من خلال أدواته وأساليبه المختلفة.

من هذه الفرضيات القول بأن إجراءات عباس المتعلقة بخصمه الكبير من رواتب عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين في قطاع غزة وقطع رواتب جزء كبير منهم خصوصًا قبل هذه الأزمة، وكذلك إيقاف مخصصات الشؤون الاجتماعية عن مئات العائلات وهي من العائلات الأشد فقرًا في قطاع غزة، القول بأن هذا كله مع التلويح بأزمات أخرى ما هو إلا لدفع حماس للتنازل لعباس فقط لَيْس إلا أكذوبة؛ لأن ما يجري فعليًّا هو ضمن صفقة سياسية دولية تريدها أمريكا ويريدها الاحتلال لتصفية القضية، وعباس مجرد أداة رخيصة فيها.

 

عباس لا يدفع شيئًا للفلسطينيين من جيبه بل على العكس هو وأولاده متخمون ويحصلون على الامتيازات والمناقصات على حساب الشعب الفلسطيني

في الأساس لم تقدم سلطة عباس مبادرة حقيقية لإنهاء الانقسام الفلسطيني بل على العكس تنصلت من معظم الاتفاقات السابقة بما فيها اتفاق الشاطئ الأخير الذي نفذت منه ما يتوافق مع مصلحتها فقط وتجاهلت باقي النقاط، وأخذت تتعامل مع الموظفين على أساس انتماءاتهم السياسية والفكرية بذات النهج الذي انتهجه عباس حين قطع رواتب الآلاف من الموظفين منذ عام 2007 على خلفية الانتماء السياسي.

 

وهذا الاستخدام الرخيص لأموال الشعب الفلسطيني ما هو إلا بلطجة وهمجية ودناءة وانعدام مروءة، وهو أسلوب من أساليب العقاب الجماعي، غير أنه من العار عقابُ إنسان لمجرد توجهه وانتمائه ورفضه لقرار غير أخلاقي، كما فعل عباس وسلطته مع الآلاف من الموظفين في قطاع غزة، ومنهم الأطباء والمعلمون والمسعفون وأفراد الدفاع المدني، ولكم أن تتخيلوا أنه طلب من هؤلاء وغيرهم أن يتركوا المدارس والمستشفيات بما فيها من طلاب ومرضى وأن لا يذهبوا لعملهم نكايةً في حماس وإلا فإن من يذهب لعمله يقطع راتبه.
 

وجاء عباس بعد عشر سنوات من ذلك ليخصم ويقطع من رواتب الذين التزموا بقراره وجلسوا في بيوتهم، ولا أعرف مكانًا في العالم تعطي فيه الحكومة راتبًا لمن يجلس في بيته وتقطعه عن الذي يداوم، حتى في التخصصات ذات الطابع الإنساني البحت، وللمعلومة لم يكن جميع الذين قطع عباس رواتبهم من حركة حماس فقط؛ فقد قطع رواتب المئات من أبناء حركة فتح لأنهم يخالفونه في وجهة النظر فقط وفصل عددًا منهم كالضابط الذي اعترض على مشاركة عباس في جنازة المجرم الصهيوني بيريز.

 

عباس لا يدفع شيئًا للفلسطينيين من جيبه بل على العكس هو وأولاده متخمون ويحصلون على الامتيازات والمناقصات على حساب الشعب الفلسطيني، وهو يأخذ حسب الإحصائيات المنشورة من غزة والعائدات الجمركية لبضائعها التي تعبر من خلال المعابر التي يسيطر عليها الاحتلال أكثر مما يعطيها، وهناك فائض يكفي لحل الكثير من الأزمات في غزة لكنه يذهب لميزانية السلطة التي يصرف فيها عباس على مكتبه بما يقارب مجموع ما ينفقه من رواتب لموظفي السلطة في غزة وذلك حسب موازنة السلطة لعام 2015م. 

 

وسعار عباس هذا ليس ناتجًا عن خصومته السياسية مع حماس وحسب؛ بل هو استغلال لها وقد برهنت تجربة جامعة الأقصى قبل أسبوعين على وضاعة سلوك عباس؛ فبعد أن تنازلت حماس عن رئاسة الجامعة لصالح الرئيس الذي عينه عباس تغليبًا للمصلحة العامة وعودة الاعتراف لشهادات طلاب الجامعة الأكبر في قطاع غزة، قام الأخير باختلاق أزمة جديدة وأوقف رواتب جميع العاملين في الجامعة من إداريين ومحاضرين وخلافهم.

 

إنها ليست مجرد خصومة سياسية بل هي الحرب الشاملة القذرة التي يريدها الصهاينة وحلفاؤهم وأدواتهم، والتي بدأت باغتيال فقهاء لإثارة جو من الاضطراب والقلق داخل القطاع، واليوم وصلت إلى قوت الناس ولم تتورع حتى عن المساس بحليب الأطفال، فلم تستثنِ هذه الموجة العدوانية حتى أكثر الطبقات فقرًا في قطاع غزة؛ فقد قامت سلطة عباس بإيقاف مخصصات الشؤون الاجتماعية عنهم.

 

من المهم أن تعمل المقاومة قدر المستطاع على إبطال حجج وألاعيب أعدائها وقلب أباطيلهم بحكمة، والمبادرة للفعل وعدم البقاء فقط في دائرة رد الفعل

يحاولون تطبيق استراتيجية الحرب الشاملة التي تحدث عنها الفرنسي روجيه ترانيكيي في كتابه "الحرب الحديثة"، وهذه الاستراتيجية بالأساس تستهدف النسيج المجتمعي والتلاعب بالمتناقضات الداخلية السياسية والدينية والعرقية وكل ما من شأنه إثارة القلق داخل المجتمع لهزيمة روحه المعنوية وتحطيمها ذاتيًا، وبعد ذلك يأتي الدور على الدبابة والمدفع لتحصد ما تبقى.

 

نحن نخوض معركة تاريخية يستخدم فيها أعداؤنا كل أساليبهم القذرة لكسر هذه البقعة الجغرافية الصغيرة حجمًا الكبيرة قيمةً، والتي يَرَوْن فيها تهديدًا للمشروع الصهيوني، ودون فهم حقيقي لطبيعة المعركة لن نستطيع مواجهتها بالشكل الجيد ولذلك ينبغي استنهاض كل الطاقات لإدراك هذه المرحلة الفارقة من تاريخ الشعب الفلسطيني، وضرورة عدم إغفال المقاومة لدور المناورات السياسية واستخدام كافة الأساليب الممكنة مهما كانت قاسية.

 

 لكن المهم أن تعمل المقاومة قدر المستطاع على إبطال حجج وألاعيب أعدائها وقلب أباطيلهم بحكمة، والمبادرة للفعل وعدم البقاء فقط في دائرة رد الفعل، والتفكير أيضًا بردع رؤوس الخيانة والإفساد دون الانجرار لأي فعل عام قد يخل بالنسيج المجتمعي فهذه هي إرادة المفسدين.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تعرف قرى عدة في شمال أفغانستان بالأصول العربية لسكانها الذين يتحدثون العربية بالإضافة إلى البشتونية والفارسية، وتفتقر هذه القرى، التي باتت تعرف بالقرى العربية، للخدمات الأساسية.

الأكثر قراءة