ترمب أقرب للضغط على الزناد منه إلى دبلوماسية أوباما

قال للصحافة ذات مرة "القوة الحقيقية هي أن تحصل على ما تريده دون اضطرار اللجوء إلى العنف"، إنه فقط، الرئيس الأميركي السابق "باراك أوباما" المثقف الرزين الأكاديمي المُحنك، الميَّال للدبلوماسية، الكاره للحلول العسكرية كُرهاً عاد عليه بسُخطٍ ونقدٍ جارح وصل حد نعتهِ بالضعف والتردد، وذلك حين أحجمَ عن عقابٍ واجبٍ حتمي لتجاوزٍ فظيع قام به بشار الأسد، تمثل باستخدامه السلاح الكيميائي ضد مدنيين في الغوطة الدمشقية.

غير أن الولايات المتحدة لا تحتفظ في بيتها الأبيض برئيسٍ لأكثر من ثماني سنوات، وبعد قضاء أوباما هذه المدة، جاء الأميركيين برئيسٍ مثيرٍ للجدل، حاد المزاج، غريب الأطوار، لا يمكن التنبؤ بما يجولُ في رأسه، لم يحدث أن عمل بالسلك السياسي والدبلوماسي، إلا أن الرجل بدا صقراً جارِحاً أكثر منه وادِعاً من خلال أحاديثه المقتضبة الإلكترونيةَ الطابع، فهو لا يملك المهارات الخطابية التي ملكها سلفه، ولذلك يُحبذ مخاطبة العالم من على منصة تويتر المفضل لديه، إنه الجمهوري "دونالد ترمب" صاحب السبعين ربيعاً، الذي ما فتِئ يُصارع ما تركه له سلفه من ملفات وقرارات وسياسات، سواء كانت داخلية أو خارجية، فهو يعتقد أن لأوباما ترفاً دبلوماسياً قد هزَّ الثقة بالولايات المتحدة، وأثر على مكانها الريادي في العالم، وهذا ما جعله يرفع شعار"لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى".

فاجأ ترمب العالم بسرعة قراره وإنجازه للعملية العسكرية المحدودة، التي يبدو أنها كانت مؤطرة إطاراً عاطفياً وأخلاقياً أكثر منه استراتيجياً، لكنها بالتأكيد لا تخلو من مضامين سياسية.

يواجه ترمب ملفات شائكة عديدة، أبرزها الحرب على الإرهاب ممثلاً بتنظيم الدولة، وهي حرب مستمرة دون هوادة، تلاحق التنظيم وتضربه أينما حلْ، يواجه أيضاً وجوب توصيف طبيعة العلاقة مع روسيا التي يدور حولها الكثير من الأسئلة في الأوساط الرسمية الأميركية والشعبية على حدٍ سواء، وهناك إيران وملفها النووي الذي لا يقع موقعاً حسناً لدى ترمب الذي شدد لهجته تجاه الإيرانيين من خلال رسائل نارية مفادها أن احذروني فأنا لست أوباما.

ولديه أيضاً الصواريخ البالستية بعيدة المدى لكوريا الشمالية، وهو بصدد وضع الخطط للتعامل معها كما يجب، إن كان بمساعدة الصين أو بدونها كما ذكر بتصريحٍ له في هذا الشأن، بالإضافة إلى الملف السوري الذي يواجه مؤخراً نقلة نوعية من ناحية تعاطي ترمب وإدارته لحيثيات هذا الملف وأبعاده، فإذا ما عدنا بالذاكرة إلى كافة تصريحات ترمب حول سوريا، فإنه لم يكن يُبدي اهتماما بما يجري في سوريا عدا عن تدمير تنظيم الدولة فيها، بل إنه أشار في أحد تصريحاته عن إمكانية التعامل مع الأسد ونظامه بخصوص الحرب على الإرهاب، وبأن رحيل النظام ليس من أولوياته.

إلا أن أقدام النظام على مهاجمة خان شيخون بالأسلحة الكيميائية في الرابع من أبريل قد غيَّر بوضوح لا لِبس فيه من تصورات ترمب ومقاربته للأحداث السورية، حيث استشاط غضباً من هولِ ما رأى من صورٍ للأطفال المختنقين بالغازات السامة، وهو ما أثر فيه بشكلٍ كبير كما قال، وأضاف أن العالم المتحضر لا يمكن أن يقبل بمثل هكذا انتهاكات، وتوالت التصريحات الغاضبة، إلا أن أهمها كان ذاك الذي أدلى به وهو على متن طائرته المتوجهة إلى فلوريدا في السادس من أبريل، حيث قال للصحفيين المرافقين له أن شيئاً يجب أن يحدث بشأن الهجوم الكيميائي، دون أن يُفصح، وبالفعل ما هي إلا ساعات بعد تصريحه هذا حتى أمر بتوجيه ضربة عسكرية صاروخية أخرجت القاعدة الجوية التي انطلق منها الهجوم الكيميائي عن الخدمة.

أما عن مضامين العملية العسكرية في الداخل الأميركي، والتي تهم ترمب كثيراً فهو كان بأمس الحاجة لها نظراً لما يواجهه من مصاعب جمة في الداخل على الصعيد الشعبي والرسمي.

فاجأ ترمب العالم بسرعة قراره وإنجازه للعملية العسكرية المحدودة، التي يبدو أنها كانت مؤطرة إطاراً عاطفياً وأخلاقياً أكثر منه استراتيجياً، لكنها بالتأكيد لا تخلو من مضامين سياسية يُعنى بها الروس والإيرانيين والأسد ومن لف لفيفهم من المارقين، فالروس الذين صلُّوا لوصول ترمب إلى البيت الأبيض تلقوا منه صفعةً لم تكن بحسبانهم، ذكَّرهم من خلالها بكل خيباتهم التي تحققت على يدِ الولايات المتحدة الأميركية صاحبة الصوت الأعظم في هذه المعمورة، والتي كان آخرها في كييڤ، حيث خسروها لصالح حلفاء واشنطن.

ولست أشك بأن مضمون الرسالة قد وصل أيضاً لطغمة المحافظين الإيرانيين بأن ترمب رجلٌ يُقرِنُ أقوواله بأفعالٍ لا قِبلَ لهم بها، فليحذروا ويأخذوا كلامه على محمل الجد، وأما بشار الأسد فأنا على يقين بأنه ذُهِلَ وصمت طويلاً كأن على رأسه الطير، مرتعباً يتوجس خطراً حقيقياً لأول مرة من الولايات المتحدة التي طالما أوجعته دبلوماسياً أيام أوباما التي تمرد عليها ترمب ليجعل منها أوجاعاً حقيقية تُفهمه أن لا مناص من الجزاء عند الإساءة.

وأما عن مضامين العملية العسكرية في الداخل الأميركي، والتي تهم ترمب كثيراً فهو كان بأمس الحاجة لها نظراً لما يواجهه من مصاعب جمة في الداخل على الصعيد الشعبي والرسمي، فقراراته التنفيذية لاقت رفضاً شعبياً واسعاً ترجمته المؤسسات العامة عندما رفضت أكثر من محكمة فيدرالية تفعيل قراره بشأن الهجرة، فقامت بتجميده وعدم العمل به، إلى جانب إخفاقه بإنهاء العمل بالنظام الصحي المعروف ب "أوباما كير" حيث سحب الكونغرس مؤخراً مشروع الجمهوريين البديل لأوباما كير وذلك لعدم حصوله على الأصوات المناسبة لتمريره.

إضافة للجدار الذي يريد بناءه على الحدود مع المكسيك والذي قوبل برفضٍ شعبيٍ واسع، وتلك عوامل أدت بطبيعة الحال لاضمحلال شعبيته لمستوى متدن، وصل لأقل من خمسة وثلاثين في المئة، وهو بعد لم يتجاوز الثمانين يوماً الأولى من حكمه، في خِضم هذه الضغوطات جاءت العملية العسكرية للترويح عنه داخلياً فتُظهره مظهر القائد المحنك المنتصر لقضايا الإنسان القادر على اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة، والأهم من ذلك أنها حررته من لعنة العلاقة مع الروس التي كانت تحاصرهُ طوقاً حول عُنقه.

وهنا لا بد أنه مُمتنٌ لفريقه الرئاسي الذي أشار عليه بتنفيذ العملية العسكرية لما حققت له من نجاح، لا سيما وزير دفاعه "جيمس ماتيس" وأيضاً الجنرال "فوتيل" الذي دعم العملية، ومن يدري لعل مُدللة أبيها الحسناء "إيڤانكا" أيضاً لها دور في المضي قُدماً بإنجاز هذه العملية العسكرية التي لازالت تداعياتها تُخيم على تصريحات الأميركيين التي تزداد سخونةً يوماً بعد يوم تجاه بشار الأسد الذي أنكر ترمب عليه بشريته في آخر تصريح له عن الأسد، واصفاً إياه بالحيوان، وَلعَمْري لقد أجاد ترمب الوصف، فأفعال الأسد وتصرفاته مُحالٌ تصورها من إنسانٍ سوي.

وبالرغم من كل ما تحمله هذه العملية من مضامين سياسية مربكة لكافة أطراف الصراع في سوريا، فإن على صُناع القرار في الولايات المتحدة إدراك أن قيمة هذه العملية الفعلية تتحقق من خلال إلحاقها بخطواتٍ جادة تتبلور من خلالها تصورات بعيدة المدى تُنهي المأساة السورية وتؤسس لبداية مرحلة جديدة من العمل الحثيث والهادف لنهضة سورية كاملة. ختاماً، قد ارتأى أوباما مقعداً خلفياً للولايات المتحدة تجلس فيه مراقِبةً، ورأى ترمب غير ذلك فأعادها لمقعدٍ أماميٍ تجلس فيه فاعِلةً كما يليق بها.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة