القابضون على الجمر.. وتجاوز عتبة الألم!

في زمان الاستضعاف وفي كل مكان لا تمكين للمؤمنين فيه، يقف المؤمن المخلص مذهولا مهموما على أمته، حزينا على انكسارها حانقا على أعدائها، قابضا على الجمر بكفه وقلبه، فالمؤمن غريب وقد بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء.

المؤمن في زمن الغربة الثانية، غريب في شكله، غريب في أخلاقه، غريب في اعتقاداته، وهو في هذه الغربة ليس أمامه إلا خياران: إما أن يسبح مع التيار الزائغ بيسر وسهولة وصولا إلى شلال الهلاك، وإما أن يسبح عكس هذا التيار الجارف بكل جهد وصبر، ممسكا بيده جمر الإيمان المتقد، إنه ينظر تلقاء الضفة اليمين فيرى الفاجرات والفاجرين، وينظر تلقاء الضفة اليسار فيعلم مكائد الأعداء الأشرار "يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويُلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج".
 

الفتن تمطر عليه من كل جانب، ليست حبات من الفتن بل قطع وكتل من الفتن المظلمة، فتنة المال والولد والنساء وكل الشهوات، وفتن الاعتقادات وتزيين الباطل والانحرافات، كلها تأتيه على طبق من ذهب، مزينة مجهزة تقول له هيت لك هيت لك.

المؤمن يتأمل في النصوص الشرعية، ويتعمق في تطبيقاتها الواقعية، فيرى كثيرا من الناس يقولون سمعنا وعصينا، المأمور بستره مكشوف، والمأمور بوصله مقطوع، والمفروض ممنوع، إنها عبادة الهرج وهجرة عبر الزمن إلى عصر الصالحين، الأعوان على الشر كثر، والناهون عن الخير أكثر.

الفتن تمطر عليه من كل جانب، ليست حبات من الفتن بل قطع وكتل من الفتن المظلمة، فتنة المال والولد والنساء وكل الشهوات، وفتن الاعتقادات وتزيين الباطل والانحرافات، كلها تأتيه على طبق من ذهب، مزينة مجهزة تقول له هيت لك هيت لك، بل إن الفتنة في هذا الزمان تدخل بيتك عبر التلفاز وتدخل جيبك عبر الجوال، وتركب المؤمن أو تلبسه وتكسوه فلا يخرج منها إلا بعون الله، ومع الفتن قسوة المحن والشدائد والأقدار المؤلمة، ومازال يتردد في جنباتنا شعر خبيب بن عدي رضي الله عنه:

إلى الله أشكُو كُـرْبَتِي بعْد غُرْبَتِي
وما جَمَعَ الأحزابُ لي حولَ مَصْرعـي.

فالكربة لازمة للغربة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل للعرب من شر قد اقترب، فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، يبيع قوم دينهم بعرض من الدنيا قليل، المتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر، أو قال على الشوك.

يشاك المؤمن المخلص في زمان الغربة الثانية، بل يخرز في عين بصيرته، ويمشط بأمشاط الشبهات ما دون عقله وروحه، وهو يرى الأكلة على قصعة الغثاء وهي تشوه المبادئ الإسلامية وتهدم منجزات المسلمين، وتسرق أبناءنا من بين أحضاننا لتستعبدهم ثقافة الغر ب الملحدة، ثم ننظر حولنا فلا نجد ما نحاربهم به سوى جمرة في القلب واليد، وتأتينا جيوش الأرض تغزونا، تنتهك أعراضنا وتدنس مقدساتنا، وتحتل بلادنا وتمنع أذاننا، ننام على صور الذبح ونصحو على مشاهد الدمار الكيماوي أو القصف والتهجير، ولا نجد ما ندفعهم به سوى جمرة تحرق كبدنا وتطلق دموع عيوننا.


وحال كثير من القابضين على الجمر في هذه الغربة، أنهم بالفعل لا يرمون من أيديهم الجمر ويستمرون في التمسك بمبادئهم المحرقة، فشيء يسير من نار الدنيا أحب إليهم من نار الآخرة الأبدية، 
مليار مسلم يحترقون ولكنهم لا يؤثرون، يحترقون كالغابات الاستوائية ببطء وقوة دون فائدة أو تأثير، يحترقون كبيادر القمح دون أن يغيروا شيئا في هذا الوضع الراهن، فقط احتراق واحتراق، والسبب أنهم لا يستفيدون من هذه العواطف الجياشة الملتهبة، ولا يوظفون هذه القدرات الفاعلة الكامنة في مكانها، هم يحفظون القرآن والسنة ويتألمون على حال أمتهم لكنهم لا يستطيعون تجاوز عتبة الألم.


أخي القابض على الجمر، إن المحرك البخاري يحول الحريق الذي في صدره، إلى قوة جارفة تطلق القطار على السكة حتى يصل، فاستثمر السجيل الذي في يديك، واستفد من المحرك الذي في داخلك، لتقود هذه الأمة المليئة بالخير.

إن النار التي يقبضون عليها، والتي تحرق أكبادهم على حال هذه الأمة التي لا يشك بمرضها عاقلان ولا يتناطح في شأنها كبشان، إن هذه النار تنتقل أحيانا عند غير المتأصلين من المسلمين من قلوبهم وأجسادهم، لتتحول لقوة جامحة يائسة، تفجر نفسها وتفجر ما حولها، وليس هذا هو المراد ليس الهدف أن تحرق نفسك ولا أن تحرق الآخرين، لا بد لنا من تغيير فلسفة الاحتراق، والتحول بالقابضين على الجمر من عقيدة الاحتراق إلى عقيدة الانطلاق، ويجب علينا أن نحول الطاقة الحرارية الحارقة إلى طاقة حركية دافقة لكن كيف نتجاوز عتبة الألم ونتحول بهذا المؤمن المخلص من الاحتراق إلى الانطلاق؟ إنّ الطُّيورَ وإنْ قصَصْتَ جناحَها تسمُوْ بفطرَتِها إلى الطَّيَرانِ.


سيكون ذلك من خلال ما يلي:

احتساب الأجر عند الله تعالى والإخلاص له والتسليم لقدره والدعاء واللجوء والاستعانة به لا بغيره على التغيير والإصلاح، تدبر قوله تعالى ((مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ)) ويقول سبحانه وتعالى: ((وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)). والاعتراف بالمسؤولية وتحملها.

 معرفة سبب وجودنا في دار الابتلاء الدنيا وهو عبادة الله عز وجل وعمارة الأرض رغم أنه قد (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) وقال تعالى (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) وقال سبحانه (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) .

حمد الله على النجاة مما ابتُلي به الآخرون والصبر على ما ابتُلينا به، عدم الاسترسال في المشاعر المحرقة، والارتكاز عليها والانطلاق نحو العمل على تغيير الواقع، الاتعاظ بما جرى والغضب الايجابي الذي يكون لله، وينطلق منه إلى تنفيذ أوامر الله، وأهمها العمل والنبي صلى الله عليه وسلم قال "بادروا بالأعمال فتنا"، قدم بيان الحل قبل عرض المشكلة.


أخي القابض على الجمر، إن المحرك البخاري يحول الحريق الذي في صدره، إلى قوة جارفة تطلق القطار على السكة حتى يصل، فاستثمر السجيل الذي في يديك، واستفد من المحرك الذي في داخلك، لتقود هذه الأمة المليئة بالخير، لتسير في اتجاه الحق بحسب قدرتك، تستطيع الخروج من ثوب التحرق وتلبس ثوب العمل، وتستطيع أن تكون من الغرباء لكن ليس الغرباء المحترقين بل من الغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس.


الذين يستحقون الدعاء والمدح بطوبي للغرباء، لهم الطيب في الجنة والدنيا، فإن احترقوا فلنشر طيب وعلم ودعوة ونهضة وإصلاح، و هذا ليس جوابي عن عمل الغرباء القابضين على الجمر بل جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سأله الصحابة من هم يا رسول الله؟


وإن كنت لا تستطيع الانطلاق، وستبقى أسير ألم عتبة الاحتراق، فنصيحتي لك لا تلعب بالنار ولا تحرق أصابعك وقلبك، ومن كانت له بداية محرقة ستكون له بإذن الله نهاية مشرقة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قالت سلطة الطاقة في غزة إن محطة توليد الكهرباء الوحيدة بالقطاع ستتوقف عن العمل الأحد المقبل بعد انتهاء منحة الوقود القطرية لتشغيلها، وعدم إلغاء الضرائب عن وقود المحطة.

أعلن نادي يوفنتوس بطل الدوري الإيطالي لكرة القدم في المواسم الخمسة الماضية الخميس تمديد عقد نجمه الأرجنتيني باولو ديبالا حتى 2022.

الأكثر قراءة