الزعيم المزيف.. وخيبات الجماهير

يأخذ الزعيم والقدوة والمثل الأعلى مكانا محوريا في حياة الأمم والشعوب، فالتاريخ يثبت أن الجمهور كان يبحث دوما في عقله اللاوعي-عبر حقب التاريخ الممتدة- عن ذلك الرمز الملهم الذي يفجر طاقته ويلبي طموحه، ويرفع مطالبه التي تلامس صميم وجدانه.

في التاريخ الحديث، ظهر الزعيم الهندي مهاتما غاندي، و أصبح أسطورة للأمة الهندية، حين قاد ثورة سلمية ضد المستعمر البريطاني وتصدّر المشهد بنفسه ليكون ملهماً للجماهير، ورافعاً مبادئ الحقوق والحريات ونبذ العنصرية، وقاد المظاهرات بنفسه، ضاربا بذلك مثلا واضحا على أهمية الزعيم وحضوره في ثورات الشعوب، ومعارك الأمم، ونضالها المصيري ضد الاستعمار والاستبداد.

(أ)
في عالمنا الإسلامي حين بزغ نجم أوردغان بعد حادثة سفينة مرمرة ومناظرته الشهيرة مع الرئيس الإسرائيلي بيريز في مؤتمر دافوس 2009 أذكر أني كنت يومها متحفظا جدا تجاهه ومتوجسا من المواقف الجديدة لهذا الزعيم التركي الصاعد، في عالم عربي يتزعمه مبارك والقذافي وبن علي وعلي صالح وعباس.. وكنت أقول إن فقرا شديدا تعيشه الأمة في مجال القادة والرموز على المستوى الحاضر جعل الشعوب العربية والإسلامية تبحث عن أي زعيم أو قائد يرفع شعارات تلامس وجدانها العميق تجاه قضياها المصيرية لتهتف له وترفع صوره.

كم من عالم أو داعية غر الناس بمظهره فبكى واستبكى ثم لم يلبث أن طعن الأمة في ميادين الجهاد وأوقات الشدة فباعها رخيصة.. في مزاد الحكام، وكان خنجرا مسموما في ظهرها.

فهتفت الجماهير لحسن نصر الله يوم هدد بضرب ما بعد ما بعد حيفا قبل أن تكتشف أن ما بعد حيفا لم يكن سوى لقصير والقلمون وحمص وحلب وحماة ! وهتفت لأحمدي نجاد وللحرس الثوري الإيراني يوم كانت خطابات الزعماء في طهران تبشر بزوال إسرائيل قبل أن نكتشف أن زوال إسرائيل يسبقه زوال دمشق وحلب وصنعاء وبغداد ولبنان، وأن طريق القدس معبد بجثث أطفال الشام، وأن مفتاح القدس الذي يحمله محور "المقاومة الممانعة" مغموس في دم الأبرياء من شعوب المنطقة! لم يكن الأمر خديعة بالمعنى الحقيقي بقدر ما كان خيبة أمل في زعماء ودول راهنت عليهم الشعوب في لحظة ضعفها ولمحت بارقة أمل في الشعارات التي يرددون.

بينما لازالت شخصية أوردغان، تحظى اليوم بكثير من الجدل حول تصنيف دوره في المنطقة، فالناس بين المغالي فيه والمجافي عنه، بين من يراه "خليفة" يجدد عهد العثمانيين، وبين من يراه طاغية يسعى للتمكين لنفسه، بين من يصفه بالظاهرة الصوتية، ومن يصفه بالبطل الشجاع، صاحب المواقف مشرفة، وآخرون يرونه مناصرا للثورة السورية، في مقابل من يراه متاجرا بها.. ويبدو أن هذا الجدل لن يتوقف حتى ترسو سفينة هذا الرجل، وطموحاته، على شاطئ الواقع السياسي المتقلب، بحيث تكون مسيرة تاريخه أكثر سهولة للتقويم، وربما لا يتوقف هذا الجدل أصلا.

نتحدث هنا أيضا عن ذلك العالم المتصوف الذي حازت مؤلفاته على قلوب الملايين، بينما يعاكس قوله فعله ويسقط في حضيض الحرب على إرادة شعبه وخذلان قضايا أمته.

(ب)
ليس الأمر مقتصرا على أولئك ففي خريطة الجماعات الفكرية والتوجهات الدينية والتيارات السياسية في الوطن العربي والإسلامي نماذج كثيرة لنمور ورقية؛ وفرسان ركبوا خيولا من خشب؛ وساسة باعوا الوهم وروجوا الغباء، فصفقت لهم الجماهير وهتف لهم الأتباع.. في مشهد كشف عمق أزمة الوعي لدى جماهير الأمة، وبناء المواقف على "الانطباع" وغياب بعد الدراسة والتحقق، والانجرار وراء الأساطير والشائعات. 

لا أحد اليوم ينكر أن أزمة الأمة الكبرى هي أزمة سياسية بشكل رئيسي، أزمة الفساد والاستبداد، شعوب مقهورة تحكمها أنظمة فاسدة وعميلة، تصادر حريتها وتنهب خيراتها، فأي دعوة أو خطاب يتوجه إلى جماهير الأمة يجب أن ينطلق من هذه الحقيقة، وأن يعالج هذا الإشكالية، ويشخص هذا المرض ويسعى للقضاء عليه.. فكيف فضحت هذه الحقيقة خطابات وأفعال زعماء ومشاريع تصدرت المشهد. لتتشبع بما لم تعط وتلبس ثوب الزور؟
 

كم من عالم أو داعية غر الناس بمظهره فبكى واستبكى ثم لم يلبث أن طعن الأمة في ميادين الجهاد وأوقات الشدة فباعها رخيصة.. في مزاد الحكام، وكان خنجرا مسموما في ظهرها. وكم من عالم أفتى وافتات على الدين والشريعة حين تحدث خارج تخصصه أو تكلم بغير علم فجنى على نفسه وعلى أمته.. وخدش صورته في أذهان ملايين الجماهير. 

نتحدث هنا عن ذلك الشيخ المعمم الذي يجلس بين يدي الطاغية يزين له أفعاله ويتولى كبر تحريضه على قتل شعبه وسرقة أمواله، ولا يألوا جهدا في أن يشتري بآيات الله ثمنا قليلا! وقد كانت محاضراته منهلا لآلاف الشباب المخلص، وما زالت بكائياته تدمع العيون التي لم تعرف حقيقته بعد!

أهم درس يجب أن تأخذه جماهير الأمة من هذه التجارب والخيبات، هو أن تنزل الناس منازلهم، وأن تعرف قدر الأشخاص وحقيقتهم، وأن لا ترفع أحدا فوق منزلته

نتحدث هنا أيضا عن ذلك العالم المتصوف الذي حازت مؤلفاته على قلوب الملايين، بينما يعاكس قوله فعله ويسقط في حضيض الحرب على إرادة شعبه وخذلان قضايا أمته. عن هؤلاء الذين يأخذون الإسلام كشكل ظاهري منمق، وطقوس باردة، يحوزون بها على قلوب الملايين ليصنعوا منهم قطيعا منفصلا عن واقعه وهمومه، ويقدمون لهم خطابا رومانسايا يتخذ من مثاليات الفلسفة وروحانيات التصوف حلولا لواقع معقد يحتاج تنزيل الأفكار فيه إلى نزول للميدان، وسعي لرفع الظلم، ومواجهة المشاكل، ومساعدة الناس، والبحث عن حلول لمشكل "الفساد والاسبتداد"، لا إلهاء الناس بخطاب يقدم "طاعة الظالم" على "نصرة المظلوم"… من لم يسمع كلام أولئك ويرى أفعالهم لم يدرك بعد حقيقة الناس؛ وحقائق الواقع وأنماط المكر؛ وسوء الخيبات.. وما جناه حسن الظن والسذاجة على هذه الأمة. 

ولا تزال فلسطين بمركزيتها ونقاء معركتها بوصلة تنفي خبث الخبثاء فبها يميز الله الخبيث من الطيب فكم فضحت من مدخلي وداعشي وداعية رومانسي وعالم سلطان لا يقوم لله بالحق.. 

إننا ما زلنا بحاجة إلى مزيد من القراءة والفهم، والاطلاع على مزيد من الأفلام والوثائق المنشورة وغيرها، ودراسة سير الزعامات والتيارات المتصدرة، وزرع ثقافة التساؤل والتأكد، حتى ندرك حقيقة ما يجري حولنا وما يدور في عالمنا اليوم من حروب وصراعات وخطط ومشاريع، وما يتصدره من زعامات وتيارات. 

وإن أهم درس يجب أن تأخذه جماهير الأمة من هذه التجارب والخيبات، هو أن تنزل الناس منازلهم، وأن تعرف قدر الأشخاص وحقيقتهم، وأن لا ترفع أحدا فوق منزلته ولا تحسن الظن بأحد أكثر من اللازم.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تحتدم المعارك بين تنظيم الدولة الإسلامية وقوات سوريا الديمقراطية في ريف الرقة الشمالي وذلك في وقت أغار فيه طيران التحالف الدولي على المنطقة، مما أسفر عن سقوط قتلى مدنيين.

الأكثر قراءة