الحالمون الحقيقيون

ماذا نعرف نحن عن الحلم؟ إذا كانوا هم من يشقون طريقا للمعجزات في كل يوم.. ماذا نعرف عن الهمَّ والشقاء؟ وعن المحن الحقيقية؟ بقلمي هذا سوف أقف وأصفّق وحدي في صالة يعج بها الفقراء من كل يوم، بكل مآسيهم، بكل قلقهم، وبكل خوفهم. وسأنحني إجلالا أمام عزمهم، وقوتهم، وحلمهم.

 

هم من يصنعون من اللاشيء شمعة تضيء طريق أمثال ضعفاء العزيمة. هم من يبدأون نهارهم بلا شيء ويختمونه بلا شيء، ومع ذلك يعرفون عن هذه الحياة ما لم نستطع معرفته، بالرغم من كل الأماكن التي قصدناها، وكل أنواع التعليم الذي تعلمناه ومارسناه. نرى بأعينهم الرضا بقدر الله. كم أعشق عيون الفقراء حينما تنبض بأملٍ وحده الله يعرف مصدره. لماذا أوجد الله الفقر؟ سؤال لن أعرف إجابته، ربما يريد لنا أن نتعلم منهم، ربما يريد أن يرينا منزلتهم، في يوم تظهر فيه المنازل الحقيقية بعيدا عن الضواحي والعواصم.

 

ماذا يملكون سوى رضاعة الأمل من أمهات يحاولن أن يجدن لهذه الحياة سبيلا. في طرقات هذه الحياة عندما خذلتهم الوجوه والشخوص، هناك هم لا زالوا يحاولون أن يكونوا، لا زالوا يأملون بالاستيقاظ على صباحٍ يشبههم

يحاولون رسم حياتهم اعتمادا على ذلك الكنز المفقود، ربما ورقة يانصيب سوف تحييهم من جديد، تعيد خَلقهم في حياة لا تعرف عن الفقر شيئا. في كل يوم خُططٌ جديدة، يُفقَدُ الأمل منها في نهايته، الشعور بالأمان بالنسبة إليهم شعور غير موجود، وإن وُجد فلن يعتادوا عليه.

 

يعشقون الحياة لست أدري لماذا، يروننا في مناسباتنا سعداء أغنياء، ويحاولون أن يسرقوا منا لحظةً لنشعر بجزءٍ من معاناتهم، أو طمعاً بصدقة، بغض النظر عن قيمتها. يزرعون من مخيماتهم أطفالا يعرفون الحياة ويحبونها. يعرفون الحياة تلك المعرفة الحقيقة القاسية. تتفتح عيون هذه الأطفال على فقر ورثوه عن آبائهم، ومسؤوليات تفوق قدراتهم.

 

يتدافعون في هذه الحياة بحثا عن لقمة العيش، ويحاولون صنع حياة كريمة لهم ولأولادهم لكنهم لا ينفكون عن الارتطام بحائط الواقع. والجملة المترددة على مسمعهم "الفقر هو اختيار، أنتم المسؤولون عن فقركم"، ماذا عن الذين ورثوا الفقر والمأساة وراثةً؟

 

في عالمٍ يقوم على الفرص الغير متساوية، يحاولون انتزاع ما يستطيعون انتزاعه من فرص للبقاء على قيد الحياة. يقومون بمحاولاتٍ يعتبرها الكثيرون غير "مشروعة" للحصول على حياة مشابهة لحياتنا، في عالمٍ لا يتكبَّدُ الكثير عناء مدَّ يد المساعدة لهم، للحول دون غرقهم في بحيرة العجز والفقد.

 

ماذا يملكون سوى رضاعة الأمل من أمهات يحاولن أن يجدن لهذه الحياة سبيلا. في طرقات هذه الحياة عندما خذلتهم الوجوه والشخوص، هناك هم لا زالوا يحاولون أن يكونوا، لا زالوا يأملون بالاستيقاظ على صباحٍ يشبههم.

 

إلى كل من تقاعسنا عن تدفئة أجسادهم في هذا الشتاء البارد، إلى الذين يملأون شوارعنا بأجسادهم الباردة وذكرياتهم المنسية. إلى الذين لم نحمي أحلامهم، إلى أحمد وزكي وبهية وكل "أطفال العلكة"، أود أن أقول: أنتم الحالمون الحقيقيون، ونحن أمامكم لا نعرف عن الحلم سوى القليل.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة