هل انتهى التفكير في النماذج الحضارية؟

blogs الحركات الاسلامية
لعل من أهم الميزات التي تتميز بِها أي منظومة هي القدرة على الاستجابة للمستجدات والتفكير خارج الصندوق، وقد نصطلح أحياناً على تسميتها المرونة. تعبر هذه المرونة عن قدرة المنظومة على التطور المستمر، وهي مؤشر على قدرتها على الصمود في وجه التحديات، وتحدد الثوابت التي قامت على أساسها المنظومة مقدار المرونة المسموح بها في التعامل مع كل جديد، وفي هذا الماحة إلى أن زيادة الثوابت يقلل المرونة ويجعل المنظومة مهددة بمزيد من الأخطار، إلا أن انعدام الثوابت يعني فقدان الذات أو انتقال ملكية ومرجعية الكيان.

هذا الكلام الذي قد يراه البعض فلسفياً له شواهد تند عن الحصر أينما توجهت بنظرك، ولعل الشريعة الإسلامية مثال حي متجدد لهذه المرونة التي أتاحت للدعوة الاسلامية أن تبقى حية رغم كل ما واجهت من التحديات وما تعرضت له من الإبادات، وبعيداً عن الدخول في تفاصيلها وما لحقها من تشويه وزيادة ونقصان ومبالغة تعود للنقل وليس للأصل.

إن المرونة والتجاوب الفعّال مع المستجدات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية مؤشر إيجابي لقوة شخصيتنا، ولقدرتنا على التقدم للأمام.

إلا أن المتابع للمنادين بضرورة التجديد والتطوير يلحظ أن غالبيتهم يتسم بالجمود وهو يدعو للتجديد، ولعل هذه القضية هي ما أريد الوصول لمناقشته، ولدي هنا تساؤل عن النماذج الحضارية المعاصرة كالعلمانية والليبرالية والديمقراطية وغيرها، أليست نظما فكرية بشرية الصنع؟ إذا لماذا يرفض البعض ممن يدعي المرونة والانفتاح أن نضعها على طاولة الحوار والتدقيق والبحث العلمي؟

إن من أكبر عوامل قتل الروح العلمية هو جعل الأفكار والرؤى البشرية ثوابت لا تقبل النقاش، كما أن تناقل المعرفة والتعليم والتفكير في إطارات جديدة واستخدامات أخرى للمعرفة هو الميزة الأولى للمنظومات المتجددة والحيوية، وفي نظري أن العقبة الكؤود التي تواجهنا في طريقنا نحو التقدم هي الوصاية الفكرية التي تقول لنا دعوكم من التفكير وانشغلوا بحفظ النتاج الموجود فلن تأتوا بجديد.

إن تعامل بعض التيارات بعقلية الوصاية وما أريكم إلا ما أرى يجعلك تستريب سلفاً فيما تطرح من الفكر والنماذج الحضارية، فكيف إذا أضفت إلى هذا نظرة فاحصة إلى البيئات التي نشأت فيها هذه النماذج، ثم ماذا لو رأيت تعاطي هذه التيارات مع هذه النماذج عندما آلت أزمة الأمور فيها لغيرها، وهذا بالتأكيد لا يعني نسف كل جهد علمي أو تجاهل كل قيمة معرفية في هذه النماذج.

وعوداً لما بدأناه، فإن المرونة والتجاوب الفعّال مع المستجدات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية مؤشر إيجابي لقوة شخصيتنا، ولقدرتنا على التقدم للأمام، وبناء النموذج الحضاري الذي يليق بنا، وليس من حق أي أحد كائناً من كان أن يجعلنا أسرى لثابت يخترعه هو، أو يستجلبه من بشر مثلنا، فالتفكير والبحث عن المعرفة حق للجميع.

ومع هذا فلا يقبل أن تكون ضروريات الحياة الإنسانية أو حقائق العلم الثابتة – استنتاجاً أو مشاهدة – محلاً لوجهات النظر حتى لا نبقى في دوامة لا تنتهي من الجدل والهرج والمرج.