نشجب ندين نستنكر

blogs تفجير الكنيسة

في الوقت الذي فشل فيه مجلس الأمن في الخروج ببيان إدانة لمجزرة خان شيخون، التي راح ضحيتها أكثر من مائة شخص من المدنيين بينهم الكثير من الأطفال والنساء بعد قصفهم بالكيماوي على يد قوات المجرم بشار الأسد في سوريا، في نفس هذا الوقت خرجت بيانات الإدانة والاستنكار من الحركات الإسلامية لحوادث تفجير حصلت لكنيستين داخل مصر خلال هذا الأسبوع.

الشجب والإدانة والاستنكار أمر مقبول من أصحاب الكلمة والتأثير، أو أنه يحقق مصلحة للقائم به، أو حتى يكون ذا جدوى على حالة التعايش الإنساني بين البشر باختلاف عقائدهم وأفكارهم، لكن أن يكون مجرد فعل لا أثر له ولا فائدة منه، فإنه يتحول ليصبح مثارا للسخرية والتندر والاستهزاء!! وبالنظر إلى كَمّ البيانات المنددة والمستنكرة التي خرجت من تيارات الحركة الإسلامية في الفترة الأخيرة، نجد أنها لا تأثير لها على أي من الأطراف، ولا فائدة منها البتة للتيار الإسلامي نفسه، بل إنها مجرد بيانات للاستهلاك الإعلامي، حتى صار الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي يسخرون منها كما يسخرون من (عدد قلقات) الأمين العام للأمم المتحدة.

وبنظرة متأنية للأطراف المؤثرة والمتأثرة بحادث تفجير كنيستي طنطا والإسكندرية، نستطيع أن نقيم مدى جدواها أو فائدتها:

الفاعل (الجاني)
رغم إعلان تنظيم الدولة تبنيه للحدث، إلا أن كثيرا من المنتسبين للحركة الإسلامية مازالوا مُصِرّين على أن نظام السيسي هو الفاعل، لأنه -كما يقولون- هو أكبر مستفيد من مثل هذه الأحداث، وبعضهم (يتفزلك) ويقول إن تنظيم الدولة أصلا تابع لمخابرات السيسي، أو أنه تنظيم وهمي لا وجود له في الحقيقة!! ومن ثم صارت التهمة منحصرة في طرفين:

الحادثة هذه المرة وقعت متكررة في كنيستين من كنائس النصارى، وعامة ضحاياها كانوا من النصارى، وقادتهم لا يشغلهم إلا توظيف الحدث، لكسب مزيد من المزايا داخل الدولة، ولإحداث مزيد من الإثخان والإضعاف للحركة الإسلامية

الأول هو دولة العسكر بقيادة زعيم الانقلاب عبد الفتاح السيسي بأذرعه المخابراتية، والثاني هو فرع تنظيم الدولة الإسلامية في مصر، والذي اشتهر تحت اسم (ولاية سيناء) ثم بدأ في الانتشار والقيام بعمليات متنوعة في أنحاء مصر، وكلا الطرفين لا يأبه ببيانات الحركة الإسلامية السياسية، فالأول (العسكر) يستغل الحدث لتجريمهم واستنفار الجماهير ضدهم وشرعنة مزيد من القتل والقمع لهم وهم المتهم الأول دائما عنده حتى لو كان القتلى منهم، والثاني (تنظيم الدولة) يستخدم هذه البيانات للتأثير أكثر على أتباعه، حيث يؤكد لهم أنهم الفريق الوحيد الذي يدافع عن الدين ويناصر المظلومين والمقهورين، وأن بقية المنتسبين للحركة الإسلامية قد تخلوا عن ثوابتهم ومبادئهم، حتى وصل بهم الحال للوقوف في صف أعدائهم ضدهم.

المفعول به (المجني عليه)
الحادثة هذه المرة وقعت متكررة في كنيستين من كنائس النصارى، وعامة ضحاياها كانوا من النصارى، وقادتهم (بعيدا عن دينهم ومعتقداتهم) لا يشغلهم إلا توظيف الحدث، لكسب مزيد من المزايا داخل الدولة، ولإحداث مزيد من الإثخان والإضعاف للحركة الإسلامية خصوصا وللمسلمين في مصر عموما، فهل ستؤثر فيهم بيانات الشجب والإدانة، أم أنهم سيضغطون أكثر من أجل كسر وإذلال أصحاب هذه البيانات؟ هل كان تعاطيهم السابق مع مثل هذه البيانات إيجابيا أم سلبيا؟ هل خرج تصريح من أحد قادتهم يوما يقول: إن جماعة الإخوان بريئة من مثل هذه العمليات؟ بالجواب عن هذه الأسئلة يتأكد عدم فائدة هذه البيانات لهم، وأنها لن تجدي نفعا لاسترضائهم.

المجتمع الدولي والنظام العالمي
صاحب أكبر أكذوبة متعلقة بالقانون والحقوق والعدالة والمساواة بين البشر، والذي لا تهتز له شعرة أمام هذه البيانات، فلا هو يؤدي شيئا من حقوق المسلمين المضطهدين والمظلومين في شتى بقاع الأرض، ولا هو ترك فرصة لمسلم أن يدافع عن نفسه أو يسعى لاستعادة حقه، ثم لا تزيده هذه البيانات إلا علوا واستكبارا في الأرض وفسادا. وكأنه يقول للشباب المسلم: إما أن تُقتلوا وتسجنوا أو تنضموا إلى داعش، وليس ثمة خيار ثالث.

وقد يسأل سائل: أوليس الاستنكار مفيدا لتأثيره على من يفكر في القيام بمثل هذه الأعمال مستقبلا؟

الجواب: بالطبع لا، فالذي يقوم بهذه الأعمال هم الذين خرجوا وتركوا بيوتهم وبلادهم وجماعاتهم دون أن يستفتوا أو يسألوا أو يستشيروا أحدا، ومن ثم فلا ينتظر أصلا كلاما من أصحاب الشجب والإدانة، هو يرى نفسه فاعلا مؤثرا مخيفا لخصومه وأعدائه، ويرى أصحاب البيانات مستضعفين منكسرين يستجدون أعداءهم ويتوددون إلى خصومهم، لا يقدرون على حماية أنفسهم فضلا عن تأثيرهم في الأحداث حولهم.

الأكثرية يفكرون في الحدث وتوابعه وآثاره وكيفية توظيفه واستغلاله، والقليلون فقط هم من يفكر في كيفية منع هذه الأحداث مستقبلا من خلال وقف الأسباب وإزالة الظلم والقهر الذي يدفع الشباب لمثل هذه الأفعال

أتذكر حين حصلت أحداث 11 سبتمبر الشهيرة أن بعض الشباب سألوني عن حكم مثل هذه العمليات، وقبل أن أقول لهم لست أنا مَن يُسأل في هذه الأمور، سألتهم: هل تعزمون على القيام بمثلها؟ قالوا: لأ طبعا. فقلت لهم: ولمَ السؤال إذن؟ قالوا: من باب المعرفة فقط لا غير. يعني السائل لا علاقة له بالحدث ولا توابعه وتأثيراته، ولذلك لما قال لي البعض: لماذا لا تتكلم عن حكم تفجير الكنائس؟ قلت: لأن الذي يقوم بالتفجير أصلا لا يستفتيني، بل ولا يستفتي أحدا أصلا. (وبالطبع هناك علماء لهم حق الفتوى وتقدير وقت إعلانها من عدمه، فالفتاوى تحفظ وتُدوّن ويُستفاد منها في كل عصر ومصر)، لكني أتكلم عن التأثير السياسي لبيانات الشجب والإدانة التي تحولت من وسائل لدفع ضر أو جلب نفع، لتصبح جزءا من التركيبة الفكرية للجماعات والأحزاب المعاصرة، لدرجة التطوع بها في غير ما فائدة، حتى ظهر أمام الناس كمن على رأسه بطحة ودائما ما يحسس عليها!!

فالأكثرية يفكرون في الحدث وتوابعه وآثاره وكيفية توظيفه واستغلاله، والقليلون فقط هم من يفكر في كيفية منع هذه الأحداث مستقبلا من خلال وقف الأسباب وإزالة الظلم والقهر الذي يدفع الشباب لمثل هذه الأفعال، أما هؤلاء فيفكرون أولا في الإدانة حتى ولو لم يفكروا في شيء آخر بعدها، فكانوا كما وصفهم الأستاذ محمد إلهامي: مصابين بحالة إدانة لا إرادية. وأنا على المستوى الشخصي أرى أن أضعف الناس حسا وتفكيرا وفعالية هم أصحاب شعار (نشجب ندين نستنكر)، بل أراهم يستحقون الشفقة والعطف، لأن الجميع ينظر للحدث بعيون متعددة من زوايا مختلفة، وهم ينظرون له بطرف من عين واحدة من ثقب إبرة.

ولا يفوتني في النهاية أن أذكر هذا الخبر الهام: لقد خرج الأمين العام للأمم المتحدة ليعلن عن شعوره بالانزعاج والقلق تجاه ما يحدث في سوريا!!. والله الموفق والمستعان.