عن أيام البلاء والمحن

blogs- الدعاء

تمر الأيام وتدرك أن قيمة الإنسان تكمن في تدبيره للأمور وتفاعله معها، ومدى علمه في فن الحياة ومصائبها. كيف يصنع من الحزن أملا واحتساباً ومن الفرح شكرا وحمدا. تمر الأيام وتدرك أن الأصل هو ابتلاءات تتبعها نكبات وكيف ستكون فيها؟! وكيف هو قلبك حينها ؟! ويا للغبطة لمن أعطاه الله الحكمة والقلب النقي القوي أيامها. هي أيام الابتلاءات لأنها سنة الله في كونه وهي كذلك أرادها سبحانه أن تكون، ونحن فيها مستسلمين خاضعين، راضين بما قدًر وقضى.. يقول تعالى:"ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ " ولو شاء الله أن يكون الأمر غير ذلك لكان ولكٌنا نحن الآخرين تحت حكمه وسنته، لا مبدل لأمره سبحانه.

وهي أيام المجاهدات والمحن وماذا تكون الحياة إن كانت مجرد نعيم ونوم وكسل بشكل روتيني ممل، دون آلام وإقدام وتضحيات؟! ولعلمنا فالإقدام على المحن في حد ذاته حياة والرضى بالهزيل وعدم خوض الغمار هو نفسه الموت والانتحار فلا ألم ولا معاناة في الموت.. وهنا نستحضر ما سطره عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد : "إن الهرب من الموت موت، و طلب الموت حياة، و لو عرفتم أن الخوف من التعب تعب، و أن الإقدام على التعب راحة، لفطنتم أن الحرية هي شجرة الخلد و سقياها قطرات الدم المسفوح، ولو كبرت نفوسكم لتفاخرتم بتزيين صدوركم بورد الجروح لا بوسامات الظالمين ".

هي أيام الألم سر وجودنا الإنساني، به – أي الألم – نستشعر إنسانيتنا التي تفترق عن باقي الجمادات التي لا تخاف ولا تجزع ولا تدعوا ولا تصبر، في كل ضربة نتلقاها ثمة استشعار بالإنسان فينا، استشعار بالخوف والترقب والتردد مع الدعاء والأمل والشك، هذا الإحساس الإنساني الذي لا يتأتًى إلا بالألم والمعاناة. وهو – أي الألم – سر إيماننا بالغيب وبالجزاء الأخروي، إيماناً بالله وأسمائه وصفاته وإيمانا بأن هناك أمرا عنده سبحانه مختلف تماما عما نعيشه.
 

في أيام البلاء تكون لحظة الجزع والخوف والتردد لكن في نفس الوقت تكون لحظة الحسم والفصل، إما أن يختار الإنسان هذا الطريق أو ذاك! واللبيب من كان على حذر ولا يقدم على أمر حتى يعلم يقينا عواقبه في الدنيا والآخرة

من ذا الذي يدفع المؤمن للصبر على كل ضربات البلاء؟! ويجعله راضيا بما قسًمه الله ولو كان يعيش عذابا يجعله تحت الأنين؟! ومن ذا الذي يجعل الانسان مستعدا ليُقطًع لحمه ويموت جسدياً ولا يهمه الأمر في شيء، ولنا في هذا قصص كثيـرة؟ طبعا هو إيمانه بالغيب واحتسابه عن كل تلك الأشواك حسنات عند الله عز وجل وإلا كان التعامل مختلفا مغايرا. هو إيمانه العميق الذي يجعله محتسبا صابراً على كل تلك الآلام، إيمانه بأن ما عند الله من فضل هو خير وأبقى وأن الآخرة هي الدار الباقية وما سواها الى زول، وهو إيمانه بأن النظر إلى وجه الله سبحانه أسمى الأماني وكل أمر في سبيلها هين.

وهي أيام محن أحلامنا، الحلم بعالم جديد يكون فيه العدل والخير هو السواد الأعظم ولا يكون للظالمين فيه من نصيب.. لا كما هو الحال اليوم، القوة فيه للجلادين وجموع الطغاة والضحايا فيه هم جموع المستضعفين والمضطهدين الذين يعانون في مشارق الأرض ومغاربها وبدرجات مختلفة، هو الحلم بقيم الإنسانية من حرية وكرامة وعدالة اجتماعية تكون هي الطاغية والسائدة في العالم وبقيم المساواة التي لا تفرق بين متربع على العرش وآخر على كرسي حراسة مدرسة أو مؤسسة والحلم بمظاهر الخير والإيثار والحب والمودة بين أفراد المجتمع. 

وكيف يكون كل هذا الحلم دون ضرائب وتضحيات؟! كيف يكون هذا الحلم واقعاً دون دماء وشهداء؟! ونحن لنا في التاريخ عبرة، وذاك الطريق محفوف بالجماجم والأشلاء، إنها محن تلك الأحلام الوردية التي تنتابنا ولا يمكن أن نطلقها يوما.

 

أيام البلاء كثيرة وهي تحيط بكل إنسان ها هنا، لكن حسبنا أنها أيام متدوالة بين الجميع لا تستثني أحدا، وأيام يؤمل منها ويٌرجى عن طريقها صقل معادننا لكي نكون خيراً مما كنا عليه من قبل، فنكون فيما ذلك مستخدمين فيما أراده الله من خير على أرضه، هذا الاستخدام الذي ولا بد أن يمر ببلاء وصبر قلً نظيره. وعن تلك المحن – أي محن البلاء – هناك شوط آخر وهو المتعلق بتدبيرها وعيش أطوراها وهي التي تجعل الإنسان صنفين، كل في واد.

في أيام البلاء تكون لحظة الجزع والخوف والتردد لكن في نفس الوقت تكون لحظة الحسم والفصل، إما أن يختار الإنسان هذا الطريق أو ذاك! واللبيب من كان على حذر ولا يقدم على أمر حتى يعلم يقينا عواقبه في الدنيا والآخرة، ويزن الأمور بميزان الحق ويغلب ما هو باقي على ما هو زائل ويُصحح مفاهيم النصر والهزيمة، ويستحضر حقيقة الدنيا – التي لا تعدوا أن تكون حقيرة – ويستحضر أسماء الله وصفاته..
 

العبرة لا بكثرة المحن والبلاء فهي قدَرنا الذي لا مفر منه، ولو أمعنًا النظر في أحوال الناس لوجدناه ما ترك أحدا على الأرض، ولولا ستر الله لرأيت العجب العجاب ولكان من المحال أن تنهي سرد قصصها، لكن العبرة بالعمل وكيف عشت تلك اللحظة وكيف نسجت نتيجتها

في تلك اللحظة إما أن يختار الإنسان أسهل طريق وأيسرها لكن يكون إن أختار أهونها – وخاب من اختار هذا الطريق – يحاول جاهدا أن ينجوا ببدنه ويلهث نحو النعيم، ولو كان الأمر على حساب دينه وسخط الله سبحانه، لا يهمه في هذا الخيار الا الهروب من البلاء والعودة الى ما كان عليه من رغد عيش ولا يهم أي وسيلة اختار، فهو يعيش بمبدأ: الغاية تبرر الوسيلة. أو أن هذ المُبتلى يختار الصبر على كل تلك الضربات – وكم هي مؤلمة ضربات البلاء – في سبيل ما عند الله، وما عنده سبحانه خير وأبقى، ويكون همه هو أن يلقى الله وهو راض عنه ولا يهم الباقي.  يختار هذا المبتلى أن يكون معاكساً لجموع الظالمين والمستكبرين ومنتسباً لجموع الصديقين والشهداء، ويتقرب من الله بتحري الصدق والصبر على كل تلك الآلام والتضحيات ويدور حيث دار الحق، هذا ولو كان الأمر على حساب التضحية ببدنه وحياته.

والسعيد من حذا حذو هذا الأخير وسلك هذا السبيل في أيام البلاء والمحن التي ولا بد منها. في العيش مع أيام البلاء إما أن يختار الإنسان أن يكون في عليين، ينال رضى الله وعفوه ويشمله رحمته أو أن يكون في سافلين، يبيع دينه بعرَض من الدنيا ونعيم زائف، ويندم على ما قدًم أشد ندم وهو الذي كان مُخيراً بين أمرين وكان قادراً على اتخاد القرار الذي ينجوا به حقيقة لكنه اختار الشقاء فقد خاب! وغرًته الحياة الدنيا بزيفها وزخارفها قبل أن تتنكًر له وتتركه وحيداً يواجه المصير والسؤال.

والعبرة ها هُنا لا بكثرة المحن والبلاء فهي قدَرنا الذي لا مفر منه، ولو أمعنًا النظر في أحوال الناس لوجدناه – أي البلاء – ما ترك أحدا يمشي على الأرض، ولولا ستر الله لرأيت العجب العجاب ولكان من المحال أن تنهي سرد قصصها، لكن العبرة بالعمل وكيف عشت تلك اللحظة وكيف نسجت نتيجتها، العبرة في نواياك التي كانت ومدى حضور إيمانك واحتسابك وكيف كنت تستقبل تلك الضربات الموجعة. ولتحدثك نفسك عن انتصاراتك وهزائمك فيما مضى وماذا أعددت لها في قادم الأيام من زاد وعتاد.