صمت الإله وصمت الإنسان

blogs فيلم

"كنت أشك في إيماني أحيانا، بل كنت أتساءل هل أنا مؤمن حقا؟ إلا أن شيئا واحدا كان مؤكدا: أنني أصبحت رجلا مسنا بالفعل، ومع ذلك لم يكن لدى خوف كبير من الموت، ولم يخطر ببالي قط أنني سأموت بالفعل. كنت مستغرقا أكثر في الخوف من المسئولية التي كانت تنتظرني، وعندها أدركت أن إيماني أقوى مما كنت أظن، وأن مثل هذا الشعور لا ينشأ إلا عن الإيمان بالله، ولا يحفظه إلا هو"

(علي عزت بيجوفيتش)
 

لا يزال أهم فيلم تم إنتاجه في 2016 بغض النظر عن الجوائز هو silence. يتحدث الفيلم عن صمت الإنسان تجاه تقلبات الحياة ومفارقاتها وجدلها الدائم، وما يواجهه إيمان شخص من امتحان شديد وابتلاءات عسيرة. تبدو القصة لأول وهلة قصة عادية ومكررة من تاريخ مضى عما واجهه رجال الدين في العصور الوسطى من عذابات ومصاعب في سبيل نشر ما يؤمنون به من عقائد، لكن تكمن أهمية الفيلم أنه وجه نقدا شديد العقلانية والمنطقية للعقيدة ككل حتى أن الراهب الأول "فيراري" الذي جاء الراهبان الشابان للبحث عنه قد ارتد وتماه مع نظام الدولة.

يحاور محارب الساموراي القديم حاكم المدينة العجوز الراهب فيكاد يقنعه ويقنع المشاهد أن المسيحية غير مناسبة للعالم وغير مناسبة لبلدهم اليابان. فقد قدم سيكروسيزي نقدا هادئا للمسيحية وخارج العالم الغربي بمعنى أنه خارج أوروبا وأمريكا وهو في أقصى الشرق في اليابان، يوضح الفيلم العلاقة شديدة التوتر بين الشرق والغرب واختلاف الطبيعة والبيئة مما يضع الراهبين الشابين في مآزق حقيقية حين يضلون الطريق ويعانون ويختبئون ويصيبهم الألم الجسدي والعطش، كذلك يضع المخرج الدين نفسه في وجه انتقادات حقيقية فيما يتعلق بتناسب الدين والبيئة المحيطة والجغرافيا. 
 

يسير الفيلم وقد تحولت مشاهده للوحات فنية شديدة الجمال والسحر والبراعة، برغم ما يحيط بها من ثغرات هي ثغرات في حياة الإنسان الذي ليس بالضرورة كل حياته عبارة عن أحداث عظيمة وبطولات، وإنما هي حياة عادية وتفاصيل تافهة

أما "رودريجيز" الراهب الشاب فقد عانى من شكوك حقيقية وضعت قيمه كلها على المحك ووضعت إيمانه في مهب الريح. فهذا الشخص الذي كان واثقا من إيمانه وعقيدته هادفا لأن يجد الراهب فيراري الذي يبحث عنه والذي كان آخر الرهبان المتبقين في اليابان، تحول لمجرد شاب تساوره الشكوك حول كل شيء حتى حول من آمنوا به وبالمسيحية ونجح الممثل أندرو ببراعة في اظهار تلك المعاناة الداخلية التي عاشها الراهب أمام ما يمر به.

نقطة أخرى يتطرق لها الفيلم وهي الفرق بين الديانة المسيحية كعقيدة وكسيرة صالحة لأشخاص، حين يخبره الراهب فيراري الذي ارتد عن المسيحية أن "هؤلاء من آمنوا لم يؤمنوا بالمسيحية ولا يعرفون المسيح بل يعرفوك أنت وآمنوا بك أنت وأنت تدافع عن إيمانهم بك وليس إيمانهم بالمسيح "

وهنا ينفذ الفيلم لبيت القصيد في الديانة المسيحية حيث تحرص الكنيسة على بناء إيمان الناس بالرهبان وتسمعهم تعاليم الرهبان وتقرأ عليهم أناجيل كُتبت بعد عهد المسيح بمدة وهي عبارة عن سير الرهبان وفهمهم للمسيحية وللمسيح وليس الإنجيل الذي أُنزل على المسيح عليه السلام.

يسير الفيلم وقد تحولت مشاهده للوحات فنية شديدة الجمال والسحر والبراعة، برغم ما يحيط بها من ثغرات هي ثغرات في حياة الإنسان الذي ليس بالضرورة كل حياته عبارة عن أحداث عظيمة وبطولات، وإنما هي حياة عادية وتفاصيل تافهة قد تؤدي إحداها لنهايته، حيث أن موت الانسان بسيط في منتهى البساطة رغم ما قد يمر بحياته من أحداث جلل ومشاق عظيمة.
 

وطول أحداث الفيلم يلازم الراهب رودريجيز السؤال الأهم في الفيلم "كيف أفسر لهم صمت الله عما يحدث لهم" فقد عانى المؤمنون من أهل القرى اليابانية عذابات شديدة ومطاردة وخوف عظيم، حتى أن الحكومة كانت تحرق اليابانين المسيحيين أحياء مصلوبين على العمدان.
 

يموت الراهب موتة عادية، وكأنه لم يعش ولم تشهد حياته آلام كبيرة ولم يمت صاحبه الشاب أمام عينيه، ثم يُحرق جثمانه على الطريقة اليابانية وقد احتضنت يديه صليب صغير ينعكس ظله على قلب يشتعل نارا

يتساءل الراهب "لماذا يصمت الله عن كل ما يحدث لماذا لا يتدخل وينهي المأساة ويرحم المستضعفين، ويكف العذاب عن الأطفال والشيوخ، ويوقف طرقات الخوف في قلوب الأمهات " وبين حيرة الراهب واضطهاد الحكومة اليابانية، يسأل المؤمنون الراهب الشاب "هل سنذهب إلى الجنة" فيجاوبهم: نعم، وفي عينه شكوكه وحيرته تفضحه، لكنه يُظهر الثبات، ثم يصل صبره إلى نهايته فلا يستطيع تحمل ألم الرجال والنساء وأصوات عذابهم وقد عُلقوا رأسا على عقب وتدفق الدم في عروق أعناقهم ورؤوسهم حتى تكاد تنفجر، فتسقط قطرات الدم منها.
 

هنا يخر الراهب راكعا، فيستسلم ويدوس بقدميه على أيقونة المسيح والعذراء ويقبل بالعالم كما هو ويعيش حياة عادية في كنف الحكومة اليابانية وتحت مراقبتها ويتزوج من امرأة يابانية، ويموت الراهب موتة عادية، وكأنه لم يعش ولم تشهد حياته آلام كبيرة ولم يمت صاحبه الشاب أمام عينيه، ثم يُحرق جثمانه على الطريقة اليابانية وقد احتضنت يديه صليب صغير ينعكس ظله على قلب يشتعل نارا.
undefined