تعز بعد عامين من الحرب عليها

blogs - taiz

حينما أتحدث عن عامين من الحرب على تعز فإنني أتحدث عن مرحلة امتزجت فيها المأساة بالصمود، والحصار بالانتصار. بدأت هذه المرحلة فعلياً يومي 15و16 من شهر أبريل عام 2015 باندلاع المواجهات العسكرية في عدة أحياء في المدينة، وصدور بيان المقاومة الشعبية الذي دعت فيه للنفير العام لتطهير المدينة من المليشيات.

 

الخيار العسكري كان متوقعاً، ولم يأت صدفة كما يعتقد البعض؛ إذ أن ميليشيات الحوثي وصالح سيطرت علی مطار تعز في22 مارس، بعد يوم واحد من وصول 600 عنصر تابع لها إلى معسكر القوات الخاصة شرقي المدينة، وهذه التطورات لم تكن سوى إعلان حرب من طرف واحد: المليشيات الانقلابية، ومع ذلك قابل أبناء تعز هذه التحركات العدائية بمظاهرات سلمية لم تجد آذاناً صاغية تستجيب لتطلعات المشاركين فيها، بتجنيب المدينة خيار الحرب، بقدر ما قوبلت بالقمع الممنهج، الذي بلغ ذروته بارتكاب مجزرتين بحق المتظاهرين الرافضين لتواجد المليشيات في المدينة، وريفها، كان ذلك مؤشراً كبيراً على اقتراب المدينة من نقطة اللاعودة، بعد فشل الخيارات السلمية، مع عصابات لا تعترف سوى بالقوة فقط.

لم يكن صبر الشاهق بمنأی عن هذا المشهد الدموي، إذ أن بصماته واضحة في كثير من أحياء المدينة المدمرة، ومن كان في شك في ذلك فليسأل أحياء تعز التي لاتزال مشاهد الدمار تتربع علی عدد من مساكنها وأزقتها.. مخلوعٌ وعصابة فعلوا كل ذلك

وشكَّلت الاشتباكات المحدودة في أوائل إبريل بين أفراد من اللواء35 مدرع، ومليشيات الحوثي وصالح؛ النقطة الأولى في هذا التحول من الخيار السلمي إلى الخيار العسكري، لكن تعز المدينة لم تشهد معارك عسكرية بالمعنی العسكري إلا في يوم الـ15 من أبريل بسقوط 22 قتيلا خلال معارك في عدة أحياء وتلاه يوم الـ16 من أبريل الذي بدأ الحديث فيه عن سيطرة رجال المقاومة علی نقاط أمنية وسقوط قتلی وجرحی خلال معارك وصفت بالعنيفة، كان ذلك اليوم بداية فعلية لمرحلة جديدة، لا مكان فيها للحديث عن المساومة، أو القبول بأنصاف الحلول، وعاشت تعز بعدها أيام وليال عجاف حولتها إلی مدينة أشباح، وطغی اللون الأحمر القاني علی ما سواه ،وتحولت "القاهرة"؛ القلعة الأثرية من نقطة استطلاع للتعرف علی تفاصيل المدينة، وتنفس هوائها النقي، إلی ثكنة عسكرية، أزهقت أرواح الأبرياء دون ذنب يُذكر، ولم يكن صبر الشاهق بمنأی عن هذا المشهد الدموي، إذ أن بصماته واضحة في كثير من أحياء المدينة المدمرة، ومن كان في شك في ذلك فليسأل أحياء تعز التي لاتزال مشاهد الدمار تتربع علی عدد من مساكنها وأزقتها.. مخلوعٌ وعصابة فعلوا كل ذلك.

 

استمر القتل ومعه وحشية القادمين من كهوف "مران" و"سنحان"، وتساءل الناس: متی نصر الله؟ فجاءت أولی بشارات هذا النصر في منتصف أغسطس 2015 بتحرير المؤسسات الحكومية في حي "حوض الأشراف" و"قلعة القاهرة" وأيضا معسكر العروس قمة "جبل صبر"، فاستبشر الناس وظنوا أن المسألة ستحسم سريعا، لكن ذلك أصبح أمنية طال انتظارها، وماهي الا أيام قلائل حتی بدأ الحصار يطبق فكيه علی المدينة، وأطبق فعلا عقب سيطرة المليشيات علی الشريان الوحيد الواقع غرب المدينة وحبلها السري، بعد حصار المدينة من المنفذ الرئيسي شرق المدينة قبل ذلك بأشهر، كانت تلك التطورات بمثابة إعلان مرحلة جديدة من المأساة الغير المسبوقة يقابلها الصمود الأسطوري الغير مسبوق لأبناء تعز.

 

وكمثال علی شواهد المأساة الممزوجة بالصبر والصمود يبرز "معبر الدحي" غرب تعز، والذي سيبقى شاهدا علی مآسي القتل، ودوس الكرامة، وهتك الأعراض، والتفتيش المهين، كما سيظل شاهداً علی صمود المدينة في وجه الرصاص الغوغائي، وصمود حلم الحياة الكريمة في وجه المتعطشين للدماء التي لا تزال تُسفك حتى اللحظة.

 

تطول القصة والحديث عن مدينة كتعز ولكل إنسان عاش فيها حكاياته الخاصة عن تعز ويوميات الحرب التي لم تضع أوزارها بعد، لكن اللافت بعد عامين من الحرب أن صمود المدينة يترجمه أبناؤها إلی انتصارات علی الأرض، من حينٍ لآخر.

إن الطغيان لابد أن ينتهي بسطوع قوة الحرمان، كما لابد للفجر أن ينهي ظلام الليل الدامس، وكان الانتصار الثاني لتعز بتحرير مواقع الجبهة الغربية في الـ11 من مارس 2016، خلال وقت قياسي جسد الإرادة الصلبة، والرغبة الصادقة في الانعتاق من عبودية المليشيات، التي كلما أرادت تركيع تعز ركعت أمامها، وخسرت المزيد من مساحة الأراضي في سبيل بناء مقابر جديدة لضحاياها الذين يقدرون بالآلاف.

 

اليوم وبعد عامين من الحرب، لا يمكن لعاقل أن ينكر التوسع الجغرافي، والتمدد الميداني لسيطرة الجيش الوطني المسنود بالمقاومة، وهذا التمدد لم يكن سهلاً بالنظر إلى حجم التضحيات التي قدمها أبناء المدينة، وبالمحصلة فإن المشهد في تعز، بعد مرور عامين على الحرب عليها، يعكس رغبة حقيقة من المدنيين في ضرورة الخلاص من براثن المليشيات، مع تفاقم الأزمة الإنسانية بشكل غير مسبوق، بالتوازي مع خذلان الشرعية، وغموض حسابات التحالف العربي فيما يخص مسألة دعم الجيش الوطني عسكرياً، وتباين آراء الشارع وتعددها في كثير من هذه المسائل، لكن الجميع يتفق على ضرورة طرد المليشيات، وهو الأهم.

 

الحديث عن تعز ذو شجون ولا يمكن لتدوينة مهما كان حجمها أن يستوعب تفاصيل هذه المدينة؛ شهداؤها، وجرحاها وجراحها، آلامها وآمالها وأحيائُها المبعثرة، تخفي الكثير من الحكايات التي لم تُروى، وستصبح حديث الأجيال المتعاقبة، تطول القصة والحديث عن مدينة كتعز ولكل إنسان عاش فيها حكاياته الخاصة عن تعز ويوميات الحرب التي لم تضع أوزارها بعد، لكن اللافت بعد عامين من الحرب أن صمود المدينة يترجمه أبناؤها إلی انتصارات علی الأرض، من حينٍ لآخر.