النهاية الوشيكة للمعضلة السورية

blogs - ترمب في اجتماع
للمرة الثانية وبنجاح فريد تم انتاج صدّام جديد، وإعادة عراق آخر في ثوب سوري، وببلاهة أو ببداهة ستكون النهاية واحدة، فالمقدمات واحدة، ويستحيل أن تكون النهايات مفاجئة أو مغايرة عما تم تضمينه في عناصر البدايات والمقدمات.. فلو راجعنا ما حدث مع صدام حسين وكيف تم تدجينه وتسمينه ورعايته وتحميسه وإعانته وتشجيعه لشن الحرب ضد إيران لوجدناه مماثلا لما يحدث مع بشار.. الفرق الوحيد غير المؤثر في سير السيناريو، أن إيران مثلّت عدوا خارجيا، أما الشعب السوري فهو أيضا عدو ولكن داخلي.

ولو تذكرنا النهاية الكوميديا للعراق المتمثلة في (الفتح الأميركي) لوجدنا أننا نسير نحو نفس النهاية بخطوات شبيهة ثابتة.. ووصف ترامب لضربته العسكرية للمطارات السورية بأنه "انتقام للعدالة" نكتة سمجة تثير السخرية لا الضحك، وتشي أننا -ربما- قد اقتربنا على المشهد الأخير من النظام السوري واسدال الستار على الثورة السورية ببعض التفاهمات.

لو راجعت خطاب بوش بُعيد غزو صدام للكويت في بداية التسعينيات، وخطاب ترمب الأخير عن ضربه مطارات النظام السوري لوجدت تناصا مذهلا في ادعاءات الأخلاق والنزاهة والعاطفة.

هذه ليست المرة الأولى التي يقوم فيها بشار بضرب المدنيين في سوريا، فله سابقة في الغوطة الشرقية والغربية في أغسطس 2013، راح ضحيتها ما يقوق 1700 مدني أعزل. ومع ذلك لم يتحرك المجتمع الدولي ولا أميركا لوقف إرهاب الأسد وشبيحته وعصاباته المتمثلة في جيشه أو حلفائه ذوي المذهب والمعتقد الشيعي.. فعلها صدام من قبل بمدينة حلبجة الكردية ومات وقتها أكتر من 5000 بالإضافة إلى ما يزيد عن 10000 مصاب، وكان ذلك تحت أعين ورعاية الإدارة الأميركية في 1988، ومع ذلك لم تتحرك الإدارة لفعل شيء ضده لأنه كان يخدم المصالح الأميركية بوقوفه ضد إيران.

الصمت الدولي وخصوصا الأميركي أصاب صدام بالحمق، فظن أنه أوتي تلك الجرأة عن قوة عنده، ومن ثمّ يستطيع أن يطلق يده كيفما وفيمن شاء، فلم يمض أكثر من عامين حتى كانت القوات العراقية في الكويت، وهي وجهة خاطئة لم تردها أميركا ولم تخطط لها، وهنا كان على صدام أن يتأدب، وأن يعلم أن صوته الجهوري في النباح على إيران كان نتيجة إطعامه من المطبخ الأميركي الثري، وهنا هبّت إدارة بوش لتعلن أن أميركا تقف ضد العدوان والظلم واختراق القانون الدولي إلخ.. وحمّست مجلس الأمن للوقوف فجأة ضد صدام بعد نومه الطويل العميق! ثم كان ما تعرف من القصة، وإن كان هناك كثير من الشياطين تقبع في تفاصيلها لا وقت للتنقيب عنها الآن.

إن تاريخ الولايات المتحدة الدموي هو عنصر رئيس في سياستها الخارجية إزاء العالم أجمع، وليس فقط دول العالم الثالث، ويعتبر "ماذا يريد العم سام" وثيقة موجزة مرتبة موثقة لمنهجية الإجرام الأميركي ضد دول العالم التي لا تتماشى وفق السياسة الأميركية أو كما يعبر عنها تشومسكي بـ "الخارجة عن الصف".

الثوار هناك لن يتحملوا أكثر من ذلك، وليس من النبل أن نطالبهم بأكثر من ذلك، لكن مع الاستمرار ربما تُقدم أميركا على تنفيذ سيناريو العراق بتشييد حكومة موالية خاضعة.

ومن الواضح أن بشار أصبح عبئا علي الإدارة الأميركية والتزامها (الأخلاقي) كشرطي للعالم لما يحدث هناك، ولعلك لو راجعت خطاب بوش بُعيد غزو صدام للكويت في بداية التسعينيات، وخطاب ترمب الأخير عن ضربه مطارات النظام السوري لوجدت تناصا مذهلا في ادعاءات الأخلاق والنزاهة والعاطفة كذلك! ففجأة أصبح موتى الكيماوي "أبناء الله" بينما وقت موتهم غرقا على الشواطئ فارين من جحيم بشار كانوا لقطاء لا أب ولا أم لهم!

وأخيرا؛ كيف ستنتهي المأساة السورية؟ لا أظن أن الثورة السورية ستنجح مع ما قدمت من تضحيات ومع كل هذا الصمود، فاللاعبان الرئيسيان (أميركا وروسيا) لا يريان مصلحة في سقوط نظام بشار كغيره من الأنظمة القديمة الموالية الخاضعة، ثم نجاح الثورة يشي لأول وهلة وصول الإسلاميين للحكم وهو أمر مرفوض جملة وتفصيلا، أو لو كانت النتيجة حكومة علمانية تؤمن بالقيم الإنسانية العليا وبالديمقراطية فلن يرحب بها كذلك، فكثرما حاربت أميركا الديمقراطية في خارج أراضيها، وهي كما وصفتها المعهد الملكي بلندن من قبل أنها لا تقدم للديمقراطية سوي خدمة "لسانية".

وبالطبع فالعرب خارج المعادلة وليسوا أحد عناصرها، وليس بيدهم أية حلول لما اقتضته حالة التشرذم والمصالح المتشابكة بين الشرق والغرب.. والثوار هناك لن يتحملوا أكثر من ذلك، وليس من النبل أن نطالبهم بأكثر من ذلك، لكن مع الاستمرار ربما تُقدم أميركا على تنفيذ سيناريو العراق بتشييد حكومة موالية خاضعة، والأمر أيضا تحقق في اليابان من قبل.