اعترافات ليل أعمى (1)

blogs - smoking night

بعد أن قضيت سبع سنوات معتكفا في مكتبة. لم أكن في حالة نفسية تسمح لي بمقاومة الجروح والنكبات عبر كتابة الشعر ليلا. كنت كالظل سجين أربعة جدران، حيث لا شيء يعلو على الفراغ والسكون القاتل. سُكونٌ عميق جعلني أترك رصيف الذكريات باحثا عن منفى ينقذني من جرح الحب الذي أصابني. كان الليل والنهار متشابهين بالنسبة لي، فكل شيء كان مظلما. ربما أعماني الجرح لدرجة أنني أصبحت عاجزا عن التفريق بين الأبيض والأسود. بدأت أكتشف لاحقا ما يفعله الحب فينا. هو يُحوِّلُ الجداول والحدائق إلى صحراء قاحلة. يقتلع جذور العاطفة والحس العميق، يصير كل شيء دون معنى، يصير المكان والزمان سجناً مؤقتا أو قاعة جنازة لا ميت فيها ولا عَزَاء.

 

لَقد أعماني الحب لدرجة أنني نسيت نفسي، تاركا كل الأحلام على حافة المخيلة. أدور بجرحي كالأحمق محاولا أن أسعفَ حيرتي ببعض الصراخ أو رمي الحجارة في مياه بحرٍ لا يسمع شيئاً ولا يُحرك ساكناَ. فالذاكرة لا تتوقف عن التواصل مع الحبيبة البعيدة والأمكنة التي كنا نتقاسم فيها أطراف الكلام وبعض الشعر المرتجل. لا تتوقف الذاكرة عن النبش في فراغات القلب المنكسر والمتصلب جراء العزلة القاتلة. وكما قال أحد الشعراء: القَلبُ الذِي يَسلَمُ مِن قَسوَةِ الشِتَاءِ، لاَ يَسلَمُ مِن قَطرَةِ الدَّمِ. تمرُّ الأيام في مخيلتي كسرب الحمام المهاجر. تمرُّ مشبعةً باليأس والحزن الذي لم يغادر أبداً ميناء الأعين الحائرة. الحبُّ حربٌ والعزلة جنازة الخاسرين. لقد نبذتني الشوارع والمدينة، وقلب من اعتقدتها يوماً وطنا.

 

لاَ تَسْقُطْ كَقَطْرَةِ الشَمْعِ.. وَلاَ تَهْرُبْ مِنْ ضَوْءِ مِصْباحِ أَعْمَى. كُنْ أَنْتَ كَمَا تُحِبُ أَنْ تَكُونَ.. طَيِبٌ كَهذِهِ الأَرَضِ فِي قَلْبِكَ أَنْوَارُ أَمَلٍ.. إِنْ لَمَسْتَهاَ تَخَلصْتَ مِنْ عَدُوِكَ وَالظُلْمَةِ.

على الحد الفاصل بين اليأس والأمل أقف. كأنني في حيرةٍ من أمري، أحاول أن أنتزع الجرح الذي أصابني كما تُنتزع الرصاصة من الجسد. وحيدٌ كالقصيدة في الليلة الباردة. يأخذني الحنين إلى ظلمات الماضي البعيد، حيث لم يكن لي أنيسٌ سوى شمعةٍ وسجائر مستوردة. بالطبع لا أحد يشعر بقسوة الحب سوى العاشقين الذين أصابهم من العشق ما أصاب "غيسطافو أدلفو". هل كان الحب يستحق كل هذا العناء؟.. هذا الجرح الذي مسح كل الابتسامات من وجهي الطفولي. لكنني ما أزال أتذكر كل شيء وكيف أنسى جرح من سكن الفؤاد. كُلُّ شيءٍ كَانَ فِي عَيْنَيْهَا مُقَدَسٌ، فِيهِمَا تُشْرِقُ الشَمْسُ قَبْلَ أَنْ يَطْرُقَ الصَبَاحُ أَبْوَابَ المَدينَةِ. فِيهِمَا نَهْرٌ كالغَانْجِ عَلَى صَدْرِهِ نُجُومٌ لاَ تَنَامُ ومَسْجِدٌ للعِبَادَةِ.

 

لَكِنْ ما أحزنني ليس فراقُ الحبيبةِ، وَإِنَمَا خيانة الأصدقاء الذين اعتبرتهم دوما عائلة. سقط القناع وسقطت معه كل الضحكات والكلمات الكاذبة. لا صداقة في عالم أصبح فيه الخداع والمكر وسيلة لقضاء المصالح، عالمٌ تحول فيه الإحساس إلى بضاعةٍ رخيصة يستعملها البعض لكسب العَطْفِ والقرابة، ليطعنك من حيث لا تدري. لا صداقة اليوم والعالم يرتدي ثوب النفاق والكذب والوهم. لذا فالجرح الذي أصابني جراء الصداقة الكاذبة جعلني أنزف مرة أخرى، رغم أن نزيف الفراق ووداع الحبيبة لم يشفى بعد. فكلما أصابني جرحٌ، أكتبُ قصيدة لعلني أنسى قليلا، وفي خيانة المقربين ونفاقهم كتبتُ هذه القصيدة:

 

إِنَ السَمَاءَ يَا بُنَيَّ

لَنْ تُرِيَكَ وَجْهَكَ المُنْكَمِشَ بِالظُلْمَةِ

مَخَافَةَ أَنْ تُصِيبَهاَ

لَعْنَةُ الحُبِ التِي أَصَابَتْكَ.

 

مَنْ سَيَطْفِئُ الشَمْسَ

التِي اِحْتَرَقَتْ فِي القَصِيدَةِ

وَأَنْتَ كالصَحْرَاءِ

لمْ تَلْمِسْ جَسَدَكَ قَطْرَةُ مَاءٍ

عَيْنَاكَ مُغْرَقَتَانِ بالدَمْعِ

والجُرْحُ في جَسَدِكَ

مَنْحُوتٌ بِقَطَرَاتِ مطرٍ

سَقَطَتْ مِنْ سَحَابٍ مُغْرَمٍ

مُثْقَلٍ بالدَمْعِ الذَابِلِ.

 

أَحَسِبْتَ يَا بُنَيَّ

أَنَهُمْ يُحِبّونَكَ لِمُجَرَدِ اِبْتِسَامَتِهِمْ

فَالمُنَافِقُونَ يَلْبَسُونَ مِنَ الكَلِمَاتِ

مَا يُصَدِقُهُ قَلْبُكَ الأَبْيَضُ

وَخَلْفَ كُلِ اِبْتِسَامَةٍ

حُبٌ زَائِفٌ

يَنْتَهِي بانْتِهَاءِ المَصَالحِ.

أَحسِبْتَ يا َبُنَيَّ

أَنَكَ لَوْ سَقَطْتَ غَداً

كالوَرَقَةِ الضَعِيفَةِ

سَتَجِدِهُمْ أَماَمَك،

نَعَمْ، وَلَكِنْ مِنَ الشَامتِينَ

يَنْهَشُونَ لَحْمِكَ باسمِ الصَدَاقَةِ.

 

لاَ تَسْقُطْ كَقَطْرَةِ الشَمْعِ

وَلاَ تَهْرُبْ مِنْ ضَوْءِ مِصْباحِ أَعْمَى

كُنْ أَنْتَ كَمَا تُحِبُ أَنْ تَكُونَ

طَيِبٌ كَهذِهِ الأَرَضِ

فِي قَلْبِكَ أَنْوَارُ أَمَلٍ

إِنْ لَمَسْتَهاَ تَخَلصْتَ مِنْ عَدُوِكَ

وَالظُلْمَةِ.