أنماط الشخصيات (1)

blogs - personalities

وما الذي دفعك للإبحار في يُموم علوم النفس أصلا؟ لابد أن هذا السؤال قد جال بعقول البعض منكم عندما عرفوا أنني أصلا دارس للهندسة، وأعمل بالفعل في مجالي. ولإجابة هذا السؤال سأقص عليكم قصة قد يجدها البعض طريفة ومسلية لا أكثر، ولكني أيضا متأكد أن الكثيرين سيمكنهم رؤية أنفسهم بين سطور حكايتي.

 

لماذا أنا مختلف عمَّن حولي من البشر؟ كان هذا السؤال يتبادر إلى ذهني طوال الوقت عندما أجد نفسي سائرا عكس التيار السائد، وكنت دوما ما أجد نفسي أسير وحيدا في طريق الفكر المغاير الذي لا يشاركني فيه أحد من العالمين، إلا من تفتحت عقولهم وقلوبهم لإدراك الاختلافات، وقليل ما هُم. فتتقاطع طرقنا حينا، حتى تفرقنا الحياة كل في سبيله.

كنت كثيرا ما أتعجب من تصرفات البشر من حولي. لماذا يفعل البشر ما يفعلون؟ ما هي دوافعهم الحقيقية الخفية؟ والتي في الغالب تتضاد مع ما هو معلن من دوافع وأهداف. ما الذي يجعل أشخاصا يتصادقون بينما يتنافر آخرون؟ وما الذي قد يجمع بين شخصين قد يبدوان – فيما يرى الرائي متناقضين تماما – فتتعجب من ارتباطهما برباط الزواج المقدس، ويعيشان في سعادة، بينما يفشل آخران تنطبق عليهما معايير النجاح الكامل؟ لماذا تسيطر المادية الانتهازية على حياة البعض، بينما تسود الفلسفة والمثالية حياة الآخرين. ما هو الذكاء؟ ما هي الفراسة؟ ما هي حدود تطور الإنسان من مولده إلى وفاته، وما الذي يجعل البعض يقفز قفزات سريعة في سلم النجاح، بينما يقبع آخرون طوال حيواتهم في قاع السلسلة الاجتماعية؟ وأصلا، ما هو تعريف النجاح والفشل؟

 

دفعني البحث عن إجابة هذه الأسئلة إلى أروقة علم النفس. وبداخل هذه الأروقة قرأت الكثير على مدى أكثر من خمسة أعوام، بداية من الأمراض النفسية بألوانها، وحالات الخلل المتعددة التي تطرأ على الإنسان لأسباب مختلفة مثل الصدمات النفسية، أو التغيرات الهرمونية التي تصاحب مرحلة البلوغ، أو – وما أكثرها للأسف – العُقد النفسية التي تسببها التربية الخاطئة، حتى انتهيت إلى ما أعتبره اليوم درة التاج، وهو ما يشرح ببساطة شديدة، وعبقرية أشد، أسباب كل هذه الاختلافات والخلافات بين البشر. علم دراسة أنماط الشخصيات، وهو ما قرأنا منه لمحة أولية في التدوينة السابقة، ونكمل الحديث عنه في السطور التالية بعون الله.

 

من درس منكم الفيزياء يعرف أن الأشباه تتنافر، بينما الأضداد تتجاذب. هذا على كل حال صحيح في الفيزياء فقط، أما في البشر، فهذا غير صحيح. ففي علم أنماط الشخصيات ليست هناك قاعدة واحدة يمكن القياس عليها، بل هي مجموعة من الاحتمالات المختلفة، تتداخل فيها الصفات الشخصية بالعوامل الاجتماعية والمادية لتكون شبكة شديدة التعقيد من علاقات التجاذب والتنافر.

 

للتبسيط، دعونا نُنَّحي جانبا كل العوامل المعقدة، وليتبقَّ أمامنا فقط الصفات الشخصية، لنحدد على أساسها ما يمكن أن يحدث من تفاعلات بين أنواع البشر المختلفة حينما تتقابل وتتعامل. ولنحاول أيضا من خلال هذه الصفات أن نتعرف على التفضيلات الخاصة بكل نوع من الشخصيات على حده، ولنستشرف كذلك ما يمكن أن يكون الطريق الأمثل الذي قد يدفع بهذه الشخصية أو تلك إلى قمة النجاح والرضا بأسرع وقت ممكن.

 

في الواقع، نجد دوما أن من عركتهم الحياة أكثر، يكونون أشخاصا متفهمين أكثر. ونجد أن الشيوخ والعجائز يصلون في غالب الأحيان إلى حالة من السلام مع النفس ومع الآخرين.

لنأخذ مثالا على أحد أنواع الشخصيات الستة عشر المعروفة حاليا، ونفنِّد صفاته الشخصية، وتفضيلاته الاجتماعية والمادية، وعلاقته مع غيره من أنماط الشخصيات. سأحدثكم عن شخصية الـ(منطقي) (Logistician) (ISTJ):، ومن قرأ التدوينة السابقة سيعلم أن لكل حرف من هذه الأحرف الأربعة معنى واضح. فأصحاب هذه الشخصية هم أشخاص انطوائيون، حِسِّيون، منطقيو التفكير، ولديهم القدرة على اتخاذ القرارات السريعة. (Introverted – Sensing – Thinking – Judging).

 

طبقا للإحصاءات، يُكوِّن أصحاب هذه الشخصية من 13-15% من أي مجتمع. وهم أشخاص عمليون جدا، يحبون النظام ويلتزمون بالقانون وبالأعراف بحذافيرها. يستمتعون ببذل الجهد في سبيل ما يفيد المجتمع أو مكان العمل. موظفون أكفاء، شديدو الدقة والحرص في عملهم، ويزنون كل الأمور بميزان العقل، لا العاطفة. فإذا قابلت شخصا يعمل بلا كلل ولا ملل، في سبيل تنفيذ ما يُطلب منه أو ما يعرف هو بالسليقة أنه مطلوب منه، ولا يهتم في هذا السياق براحته الجسدية ولا يضع في حسبانه الحاجات العاطفية لأسرته، فهو في الغالب يمتلك شخصية الـ(منطقي).

 

هؤلاء الأشخاص أيضا لا يحتملون الهراء. لا تعطهم مبررات واهية لكونك لم تنجز ما هو مطلوب منك. فلأنه لا يضع لنفسه أي أعذار، فإنه كذلك لا يلتمس للآخرين أي أعذار. ستسمعهم دوما يقولون: "إن استطعت أنا أن أفعلها، فما الذي يمنعك؟". وتتسبب ردودهم المنطقية الجافة في أن يكوِّن الآخرون صورة قاتمة عنهم، وهي أنهم أشخاص آليون لا يمتلكون أي مشاعر على الإطلاق، ولا يمتلكون شخصية مميزة، وهو أمر غير حقيقي. ففي الواقع يمتلك الـ(منطقي) مشاعرا قوية، لكنهم دوما ما يعجزون تماما عن التعبير عن هذه المشاعر بشكل منطوق أو مكتوب، ويستعيضون عن ذلك بالأفعال، كالعناية بأفراد أسرتهم ماديا إلى أقصى حد، وأن يساعدوا أصدقاءهم بكل شغف وبكل طاقتهم. وهم لا يفهمون أبدا أن يطالبهم أزواجهم بإظهار المشاعر، خاصة إن كان هؤلاء الأزواج عاطفيون، فمن وجهة نظر الـ(منطقي) هم بالفعل يقومون بإظهار هذه المشاعر عمليا بمنتهى الوضوح، بينما يكون الأزواج العاطفيون ينتظرون التعبير عن المشاعر بالكلمات أو اللمسات مثلا.

 

زملاء العمل، أو شركاء الحياة، سيكونون دوما في تنافر وخلاف، إلا إن امتلك أحدهما أو كلاهما عقلا متفتحا قابلا لوجود الاختلافات الشخصية، حتى وإن لم يفهم أسباب هذه الاختلافات.

لا يندمج الـ(منطقي)، وهو من الشخصيات شديدة الحسية، مع الأشخاص الحدسيين بسهولة. إلا إن تشارك الحدسي معهم في الوظيفة العقلية الأخرى، وهي التفكير المنطقي. لكن يظل دوما مؤرقا لهم وصول الحدسيين لقرارات بدون امتلاك معلومات دقيقة موثقة لا تدع مجالا للتأويل أو التحويل. فبينما يقفز الحدسيون للنتائج، يحتاج الحِسِّيون، كالـ(منطقي) إلى معلومات واضحة وصريحة ليقوموا ببناء استنتاجاتهم عليها بشكل قوي ثابت. فهم كزملاء عمل، أو كشركاء حياة، سيكونون دوما في تنافر وخلاف، إلا إن امتلك أحدهما أو كلاهما عقلا متفتحا قابلا لوجود الاختلافات الشخصية، حتى وإن لم يفهم أسباب هذه الاختلافات.

 

في الواقع، نجد دوما أن من عركتهم الحياة أكثر، يكونون أشخاصا متفهمين أكثر. ونجد أن الشيوخ والعجائز يصلون في غالب الأحيان إلى حالة من السلام مع النفس ومع الآخرين. وما مصدر هذه الحالة من السلام إلا أنهم يوقنون مع خبرة الحياة أن الناس مختلفون، وأنهم في أغلب الأحيان لا يقصدون الإساءة، وإنما يغلب على تعاملات البشر سوء الفهم المتبادل، وهو ما يؤدي دوما للخلافات بين الشخصيات المختلفة.

 

في المقال القادم بإذن الله، سأعرض عليكم نوعا آخر من الشخصيات. وسأتناوله كاليوم بشيء من التحليل المختصر، ولعلكم من توالي المقالات والشخصيات تبدأون في ملاحظة الأنماط بدوركم من حولكم. ولعلكم تبدأون في التماس الأعذار لهؤلاء المختلفين عنكم في الفكر والفعل، كما أفعل أنا الآن.