"استروا ما شفتوا منا"

blogs تجمع

في بلاد الشام وعند الوداع بعد انتهاء المجلس، يقول المودعون لبعضهم: "استروا ما شفتوا منا" أي لا تكشفوا ولا تتحدثوا بالعورات والعيوب التي رأيتمونها منا خلال اللقاء، أو أثناء المجلس، وهذا كناية عن أن الإنسان يتجاوز الحدود ويتحدث بما لا يليق أحياناً في حضرة إخوانه، ربما ثقة بهم أو رغبة في جعل المجلس أكثر أنساً، أو كلاهما في نفس الوقت، والتوصية هنا للتغطية وللتذكير بعدم استخدام هذه المعلومات، أو التحدث بهذه العيوب في لحظة مثالية أمام من يكيدون لنا أو من لا يحبوننا. والوصية في النهاية تشمل كل ما قيل في المجلس.

 

ينطلق لسان الإنسان أحياناً فلا يفرق ما بين ما هو مستور ومكشوف، ويغفل عن وصايا كثيرة جاءته في نهايات مجالس كان واحداً من المؤتمنين عليها، وفي بعض الأحيان يتعمد الإنسان إطلاق لسانه ليجلد به ظهور أناس كانوا له إخواناً ذات لحظة، أو هكذا تظاهر! في المسافة بين ما يعتري القلب وما يظهره اللسان تظهر كمية النفاق التي نعج بها، وتظهر كمية الخوف التي نخبئها للمجتمع ومن المجتمع في ذات الوقت.

 

كم من صديق عاجلناه بابتسامة ذات صباح، ثم غدرنا به عند المساء، وكم من رفيق سلكنا معه درب شوك عاون فيها كلانا الآخر، ثم فضحنا المستور بعد الافتراق، وكم من بيت هتكنا ستره لحقد تركب على أعيننا فلم نعد نميز الخط الفاصل بين الجائز وغيره

والسؤال: هل يا ترى لدينا الاستعداد ليرى كل الناس ما أبطناه في دواخلنا طوال السنوات الماضية ونحن نريهم ابتسامات متصنعة بعضها صفراء وبعضها لا لون له؟ وهل يا ترى لدينا الجرأة والقدرة على إظهار ما في دواخلنا وجعلها بارزة للعيان، خاصة أمام أولئك الذين كانوا فريسة لشكوكنا وظنوننا؟ وهل يا ترى نستطيع بلورة مقياس جديد دقيق يحدد المسافة بين ما في دواخلنا وما نطلقه على ألسنتنا؟ ويعلن بشكل دقيق مدى تطابق ما نعتقده عن الآخرين وما نظهره لهم عند المواجهة؟

 

كم من صديق عاجلناه بابتسامة ذات صباح، ثم غدرنا به في وشاية عند المساء، وكم من رفيق سلكنا معه درب شوك وقسوة عاون فيها كلانا الآخر، ثم فضحنا المستور بعد الافتراق، وكم من بيت هتكنا ستره لحقد تركب على أعيننا فلم نعد نميز الخط الفاصل بين الجائز وغيره. يأتينا أحد الأصدقاء مصتنصحاً أحياناً، يعرض ما لا نعرفه عن نفسه وبيته، ويوفر معلومات لم نكن نتوقع أن نسمعها، طالباً النصح والتوجيه، وبعد انتهاء اللقاء، وذات يوم وفي غفلة عن الضمير، ينطلق اللسان بما لا يحل له، ويصبح المستور مكشوفاً، والنصح سهام غدر قضت على ما تبقى من سمعة الرجل!

 

ربما يكون هذا واحداً من الضعف الذي يعتري اللسان في لحظة غفلة أو نشوة، ولكن أين هي الكوابح إذاً؟ أين صوت العقل، والقلب القوي، والضمير الحيّ؟ ولو تحدثنا بمقياس مادي بحت بعيداً عن القيم والأخلاق، أين هو الخوف من ردة فعل الناس؟ أو الوقوع فريسة بين ألسنتهم؟

لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ *** فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ

وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً *** فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان