هل فشل الإسلام السياسي؟

blogs - quran
ظهر منذ سنواتٍ عديدةً مصطلح "الإسلام السياسي"، ويقصد به التّوجه الإسلامي المتطلّع نحو الدولة والحكم.. وقد كافحت تيارات "الإسلام السياسي" في سبيل الوصول إلى سدّة الحكم، فوصلت إليه في كثيرٍ من الدول، كتركيا ومصر وغيرها.. وشاركت الحكم مع العلمانيين في دولٍ أخرى، كالمغرب وتونس وغيرها…

إنّ النّاظر إلى كل الدّول التي وصل فيها الإسلاميّون إلى الحكم يرى أن النّتيجة واحدة، فلم يتغيّر شيء، بل إنّنا نجد أصواتاً قد علت في بعض تلك الدول، مندّدة بفشل هذه الحركات، معتبرة بأن "الإسلام السياسي" فشل فشلاً ذريعاً منذ وصوله إلى الحكم كما حصل في مصر! فهل حقيقةً فشل "الإسلام السياسي"؟!

بدايةً لا بدّ من التّفريق بين وصول "الإسلام السياسي" إلى الحكم وبين وصول حركاتٍ "إسلامية" إلى الحكم، فوصول الحركات "الإسلامية" إلى الحكم لا يعني بالضّرورة وصول الإسلام إلى الحكم، بل إن النّاظر إلى كلّ الدول التي وصل فيها "الإسلاميون" إلى الحكم يرى أن القوانين والأنظمة التي طبّقوها هي أنظمة وضعيّة علمانية، وإن حاول بعضهم إلباسها لبوس الإسلام.. 

وصول الإسلام إلى الحكم يعني تطبيق أنظمة وقوانين تنبثق عن العقيدة الإسلاميّة، ولا يعني تطبيق قوانين وضعيّة فيها مادة تقول "إن دين الدولة الإسلام".

ففي تركيا لم يستحِ حزب العدالة والتّنمية من إعلانه بأن مشروعه هو مشروع الدّولة العلمانيّة، التي تقوم على أساس فصل الدين عن الدولة والحكم، ولذلك بقيت تركيا جمهورية علمانيّة كما كانت قبل وصوله إلى الحكم.

وفي مصر وتونس ظنّ البعض بأن الإسلام وصل إلى الحكم مع وصول الإخوان المسلمين في مصر وحركة النّهضة التونسيّة في تونس، ليتبيّن للجميع بأن هذه الحركات أعلنت فور وصولها بأنّها ترنو إلى دولةٍ مدنيةٍ ديمقراطيّة، وأنّه ليس من أدبيّاتها ولا من طرحها إقامة دولة إسلاميّة (خلافة على منهاج النبوة)، ولذلك بقيت القوانين والأنظمة التي طبّقوها هي أنظمة وضعيّة سنّتها أهواء النّاس في مجالس تأسيسيّة وتشريعيّة، ولم يتغيّر شيء، والذي تغيّر فقط هو وصول "إسلامي ملتحي" إلى الحكم.

إن وصول الإسلام إلى الحكم يعني تطبيق أنظمة وقوانين تنبثق عن العقيدة الإسلاميّة فحسب، ولا يعني تطبيق أنظمة وقوانين وضعيّة فيها مادة تقول "إن دين الدولة الإسلام".
إنّه من المعلوم بأن الإسلام حدّد شكلاً لنظام الحكم، وهو نظام الخلافة، نظام فرضته الشّريعة الإسلاميّة فعمل به المسلمون منذ قيام الدّولة الإسلاميّة الأولى في المدينة المنوّرة وحتّى سقوط الخلافة العثمانية في 1924م.

الواضح بأنّ حركات "الإسلام السياسي" فشلت، وربما كان فشلها قبل وصولها إلى الحكم، ذلك يوم تخلّيها عن كثيرٍ من أفكارها وأطروحاتها.

إن المتابع يرى أن معظم الحركات الإسلامية اليوم وخاصةً حركات "الإسلام السياسي" قد تخلّت عن كثيرٍ من أفكارها وأطروحاتها التي طرحتها في السّابق، حيث أنها كانت قد قامت بغية إنهاض المجتمع وإعادة الدّولة الإسلاميّة التي تطبق الشّريعة الإسلاميّة في كل نواحي الحياة، ولكنّها اليوم أصبحت تنادي بقيام دول مدنيّة ديمقراطيّة في كل قطرٍ من الأقطار الإسلاميّة. وفي الوقت نفسه نجد بأن هناك حزباً (حزب التحرير) ما زال يطرح مشروعه الذي يعتبره واجبا شرعيا لا يجوز تبديله أو تغييره، طارحاً مشروعه في كتبٍ أعدها لتعطي تصوّراً واضحاً عن الحكم الإسلامي.

ولهذا فهو ينادي بكلّ وضوح بفكرة الخلافة الراشدة، التي يقول بأنّها دولة جامعة للمسلمين في الدّنيا لتطبيق أحكام الشّرع الإسلامي كسياسيةٍ داخليّة وحمل الإسلام إلى العالم بالدّعوة والجهاد في سبيل الله كسياسية خارجيّة، مفصّلاً أجهزة هذه الدولة بين أجهزةٍ للحكم وأخرى للإدارة.

الواضح بأنّ حركات "الإسلام السياسي" فشلت، وربما كان فشلها قبل وصولها إلى الحكم، ذلك يوم تخلّيها عن كثيرٍ من أفكارها وأطروحاتها، وأمّا القول بأن "الإسلام السياسي" قد فشل هو قولٌ باطل، لا يُلتفت إليه أبداً لأن الإسلام لم يصل إلى الحكم حتى الآن، ولهذا نلحظ حرباً فكريةً وسياسيّةً يقودها الغرب مع الأنظمة على حركات "الإسلام السياسي" التي تدعو إلى قيام دولة الخلافة الإسلاميّة، واصفينها بالمتشدّدة والأصوليّة والمتطرّفة؟!