رشا رزق.. عندما تُغَني الطفولة

blogs رشا رزق

تكفيك جولة قصيرة عبر صفحات الفايسبوك، لتظن نفسك ضائعا بين سجلات روض أطفال. صور أُخِذت بكل الوضعيات، في أماكن وأزمنة مختلفة، بالأبيض والأسود أو بالألوان، على صهوة حصان، أمام تمثال تاريخي أو بين الحقول والبساتين، قاسمها المشترك أنها تُؤرخ للحظة قابعة بين ذكريات الطفولة.. فذاك صغير ابتسم للكاميرا وهو في أبهى حلة، تشع عيناه نورا، بعدما أمسك عيديته، والآخر، التُقطت له صورة وهو يمسح الدموع بِكُمِّه الأيمن.. لعل أحد إخوته سحب منه لعبته المفضلة. لا تستغربوا، فالسعادة والحزن لم يكونا بذاك التعقيد الذي أصبحنا نعرفه ونحن كبار، كنا نملك قلوبا طاهرة لا يستقر بداخلها، إلا ما هو صادق ونقي. .هناك تَسَرّبَ بين الجدران صوت دافئ ،أَسَرَ جيلا بكامله.. إنها رشا رزق؛ أسطورة أطفال التسعينات، شباب الحاضر وصناع المستقبل. 

لمن لم يُذَكِّره الاسم بشيء، يكفي أن تنصت لإحدى شارات المسلسلات الكرتونية المدبلجة وسيرجع بك الزمن سنوات إلى الوراء.. إلى عهد الأحلام ومنبع البدايات.  لعل حروف أبجديتي غير قادرة أن توفيك حقك، وحدها تلك المشاعر والأحاسيس المخفية بين الأسطر تحمل بين ثناياها أسمى عبارات الحب والتقدير.  لك سيدتي، كل المودة والاحترام، شكرا لجعل طفولتي ذات نكهة خاصة. نعم، لقد صرت شابة في العشرينات من العمر، لكن تلك الطفلة البريئة بأحلام الأميرات لا زالت حية بداخلي، تستيقظ كلما أتى إلى مسامعي صوتك الشجي.  ليست العين فقط من تعشق، فالأذن أيضا تقع أسيرة للحب.. حب عذري صادق بكل المقاييس. غَنّيْتِ للطفولة كلمات مليئة بالأمل، وألحانا مفعمة بالحياة، ولازالت موسيقاك مصدر حلم وذكريات شغف. لم تكن مجرد جمل تعاد وتكرر، بل هي مبادئ حفرها صوتك في قلوبنا مع كل أغنية: 
 

أعترف ولا أخجل من ذلك؛ أنه في زحمة الحياة ووسط هذا الكم الهائل من الأغاني المكررة والكلمات الخالية من المعاني، وسط كل هذه الأصوات ورغم مرور عدة سنوات، أجد راحة لا مثيل لها وأنا أصغي لنغمات دافئة، تتراقص على حبال حنجرة، استحقت بكل جدارة لقب " الحنجرة الذهبية"

أقسمنا مع "ايروكا" أن نرسم الزمان الماضي في النسيان، كزهور بستان، تتفتح حين يأتي الأوان، وأن نكتب الدموع والأحزان في كتاب ليس له عنوان.. فلن نعود أبدا للوراء، ولن يكون لنا معه لقاء.  كيف لا، وقد أَيْقَنا مع " عهد الأصدقاء"، أن الحياة تُهدينا دائما أضوءا في آخر النفق، تدعونا كي ننسى ألما عشناه.. قد نستسلم أحيانا، لكننا نعود ما دمنا أحياء نُرْزق. علمنا " القناص" أن نعمل باجتهاد، وأن نبقى دائما على أُهبة الاستعداد، وآمنا مع "بابار" أنه بالأخلاق الفاضلة وبالمحبة والعمل، نسموا وننتصر على المصاعب، ولا ضير أن نبادر للاعتذار عن الزلل، مهما خجلنا من أخطائنا. كنت الأم التي رَبتت على كتف صغيرتها ونصحتها ألا تبالي فستشفى الجراح، وأن ظلام الليل لن يطول، وأن تنصت ففي كل صباح، هناك صوت في الأعماق يقول: كلما زارنا طيف حب لا ينام هزنا، زادنا أملا لا يخشى الأيام.

أعترف ولا أخجل من ذلك؛ أنه في زحمة الحياة ووسط هذا الكم الهائل من الأغاني المكررة والكلمات الخالية من المعاني، وسط كل هذه الأصوات ورغم مرور عدة سنوات، أجد راحة لا مثيل لها وأنا أصغي لنغمات دافئة، تتراقص على حبال حنجرة، استحقت بكل جدارة لقب " الحنجرة الذهبية".. هَمْس ملائكي، عَبَرَ شاشة التلفاز، واستقر بكل أريحية بداخلي وبداخل كل من أنصت بقلبه قبل أذنه. لا أحد منا يستطيع أن ينكر أن صوت رشا رزق، وهي تُؤدي شارة "أمي" لمسلسل "دروب ريمي"، سحر لا يقاوم، تناغم لا مثيل له.. صادق حد الخيال، مؤلم أحيانا حد الموت، يصعب أن تتمالك نفسك وهو يتغلغل في أعماقك ويسري في روحك وجسدك.

لعلنا لم ندرك ثقل تلك الكلمات ونحن صغار، لكن شعورا بالأمان والطمأنينة كان يعترينا. أما الآن، فتجد نفسك غارق في الدموع.. لكل منا سببه الخاص، إلا أن تلك النغمات تبقى أصدق وسيلة للتعبير عما يخالجنا! شكرا لك سيدتي ولكل جنود الخفاء الذين صنعوا طفولتنا؛ عَبَرْتُم كالنسيم لكن ذكراكم ستبقى عالقة في الأذهان.. أملي أن يعيش كل صغير حلمه، أن يكبر على ضفاف الأمن والسلام، أن يبني ذاكرة مليئة بلحظات الفرح لا بِدَويِّ المدافع والآلام التي لا يمحوها الزمن ،أن يأخذه الحنين ،بعد مرور سنوات وهو ينظر إلى صوره القديمة قائلا : ليت الطفولة تعود يوما…