أنصدقكم ونكذب التاريخ؟

blogs-تفجيرات كنائس مصر
التاريخ لا يكذب أبدا، والناسُ شهود الله في أرضه، هكذا قيل في الأثر، أو كما قال الشاعر عبد الرحمن القرضاوي: 
 يا أيها التاريخ صوتك كالآذان على جوامعنا … لا شيء يبقى غير صوت الحق يعلو في مسامعنا
 قد تحكم النيران بعض الوقت لكن …. كلمة التاريخ حكم لا مرد له، ستكتب في مراجعنا
وقد يظن البعض أن التاريخ يمكن تزييفه من ظالم أو مستبد بحكم السلطة والجبروت، بفعل السحرة من أفواه وأقلام وإعلام، وهذا ما يؤيده واقعنا المصري والعربي الآن، ولكن هذا لبعض الوقت وليس كل الوقت، فقد أثبتت التجارب التاريخية أن ذلك التزييف والتزوير ما يلبث أن يندحر ويعتليه الحق بمجرد زوال ذلك الظالم أو المستبد، ما يلبث التاريخ أن يخترق كهف أسرار المزورين وزنازين المستبدين ليستخرج تاريخا حقا صحيحا معافى بعد غيابه سنين. إذا فالتاريخ لا يقول وداعا أبدا، التاريخ يقول سأراكم لاحقا، وفقا لمقولة الباحث والروائي "إدواردو غاليانو".

أيها الملوثون بالدماء، إن كانت ذريعتكم توطيد ملك أو ترسيخ حكم؛ فشواهد التاريخ تخبركم أن الدماء لا تبقي ملكا ولا تيجانا، ولا يستقر نظام فوق أكوام الجثث.

هذه الكلمات عن التاريخ أوجهها إلى من يحاول العبث في نسيج المجتمع المصري الآن، إلى تلك الأفكار المشوهة والعقول المريضة التي تعتقد أنها بتفجير الكنائس وقتل الأبرياء تستطيع زرع الفتنة بين المسلمين والمسيحيين في مصر وجرهم إلى اقتتال طائفي، أنا لا أوجه اتهاما إلى شخص بعينه أو فصيلا أو مسئولا أو نظاما أو مستفيدا، فلست من يكيل الاتهامات دون سند أو دليل؛ بل أوجهه إلى كل من تخضبت أيديهم بهذه الدماء البريئة أقول لهم: لا والله تبت أياديكم وخاب مسعاكم، أنصدقكم ونكذب التاريخ تاريخ أكثر من ألف عام من التعايش بين المسلمين والمسحيين؟

فأول هجرة كانت للمسلمين بحثا عن السلام والأمان كانت إلى الحبشة، إلى النجاشي الملك المسيحي، سبع سنوات من الأمن والأمان قضاها المسلمون في كنفه ورعايته لا يداس لهم على ظل، وحينما مات النجاشي صلى عليه النبي صلي الله عليه وسلم صلاة الغائب.

أم أحدثكم أيها المرضي خفاف العقول عن قصة عمر بن الخطاب والقبطي الذي اشتكي ابن عمرو بن العاص فاقتص له عمر؟ أم أحدثكم عما أعطاه عبد الله عمر، أمير المؤمنين لأهل إيلياء من الأمان؟ أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم، وألا تُسكن كنائسهم ولا تُهدم، ولا يُنقص منها، ولا من خيرها، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضار منهم أحد.

أم أحدثكم عن الكنائس والأديرة في مصر، والمسيحيين الذين وجدوا الأمان الكامل والحرية الدينية والحماية في ظل حكم المسلمين لمدة تزيد على أربعة عشر قرنًا مِن الزمان، وأن الحوادث الفردية ما كانت إلا مِن أعوان الظلم في النظام، ولو كان الإسلام يضطهد غير المسلمين؛ لانقرضوا مِنذ زمان بعيد مِن بلادنا، أم أحدثكم عن جاري في السكن أو في العمل بهجت وحنا ومينا الذي يشاركني أفراحي وأتراحي منذ أمد بعيد.

أيها الملوثون بدماء الأبرياء وتفجير الكنائس، إن كانت ذريعتكم الدين فإن الدين منكم براء، عجبا! هل أنتم أكثر إيمانا من رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي لم يأمر قط بهدم صومعة أو دار عبادة؟ أم أنتم أكثر إيمانا من الخلفاء الراشدين من بعده الذين فتحوا البلدان التي كانت لا تدين بالإسلام ولم يذكر التاريخ قط هدمهم لكنيسة أو معبد أو أي دار عبادة، لم يهدموا دورا كانت لعبادة وثنية مثل المعابد الفرعونية التي ما زالت موجودة حتي الآن! فهل يعقل أن يهدموا دار عبادة دين سماوي؟!

أما أيها الملوثون بالدماء، إن كانت ذريعتكم توطيد ملك أو ترسيخ حكم أو تحقيق فائدة أيا كانت فشواهد التاريخ تخبركم أن الدماء لا تبقي ملكا ولا تيجانا، ولا يستقر نظام فوق أكوام الجثث. 
يقول الشاعر أحمد محرم:

يا دولة من بقايا الظّلم طاف بها … عادي الفناء فأمسى نجمها غربا
زولي فما كنتِ إلا غمرة ً كشفت … عن النّفوس وإلا مأتماً حُجبا
عناية الله لا تُبقي على دولٍ….. يلقى الخلائق منها الويل والحربا

هذه شواهد التاريخ تخبركم عن فشل مسعاكم. وقد يخطر في ذهن القارئ أني لم استشهد بالآيات القرآنية رغم كثرتها ووضوحها في هذا المقام! أقول: أن من يرتكب هذه المجازر لا يردعه دين أو تؤئر فيه آيات! لأنه إما أنه يمتلك مفهوما خاطئا مشوها لهذه الآيات، أو أنه لا دين له أصلا، فكانت شواهد التاريخ أوقع في نفسه وأصدق من وجهة نظره لفشل مخططه.