شعار قسم مدونات

ما الذي سيخسره المضطهَدون؟

blogs - الكتابة

قرأتُ كتاباً يحكي عن الحب، ثم قرأت كتاباً آخر عن الفلسفة لذات المؤلف، فاستمتعت بما قرأت، ولم أكن على ثقة بخيانته للأحرف التي خطتها يداه حين قرأت كتاباً ثالثاً يتحدث فيه عن الاستبداد والطغيان، لقد كان منظّراً بارعاً، حتى انصدمت عجلة مصالحه الضيقة الرديئة بواقع الاستبداد الواسع، فلاذ بالصمت كل الصمت، ثم تسرب عن صمته ونطق، فكان الكفر والعهر لسانه وسنانه، يُكذِّب ما قاله بِلَوي نصوصه تارةً، وينافح عن المقاصد التي أرادها تارةً أخرى، ضارباً بالمقاصد المفهومة لقرّائه عرض الحائط، متهماً أولئك -بتعبيره- بالسطحية وعدم العمق!

هذا المثقف الخوّار نموذجٌ من نماذج كثيرة ومتباينة في مساربها، ورؤاها المخملية، وتطلعاتها الحصرية، لا يقوى على مواجهة الاستبداد إذا ما حل، ولا يقدر على التصرف المسؤول الذي يحفظ ماء حرفه الذي لم يجف، ويصون عرض المعرفة التي قد تتجاوز في قيمتها عرضه إذا ما طوى عنها كشحاً، أو داسها تحت أقدامه الخائنة. ماذا يعني أن نرى ذلكم المثقف يسبح في الغرام اليومي، على صفحات التواصل الاجتماعي، أو عند كسره كتاباً، وأمّتنا مجروحةٌ في قلبها، وأطفالنا يموتون فاتحين أعينهم، ونساؤنا تُنتهك، ورجالنا تُدهس كرامتهم وإنسانيتهم، وهو صامت صمت القبور الباردة، لا ينبس ببنت شفة، ولا يتغيظ لحجم الفجور الذي يراه على الشاشات المضرجة بالدم، وأخبار الصحف الملغمة بالألم. 

لقد أفقدوك إحساسك قبل أن يُفقدوك كلمتك، وغُلِبت على عقلك بعد أن لم تفهم أنك قد سُلِبت إحساسك، وأنتَ المضطهد الذي لن يخسر شيئاً إذا ما صرخ، إنما بصرختك تلك ستكسر قيودك

إنه يعيش في سردابه مزهواً بنفسه، رابضاً في مستنقع أحلامه؛ في منأى عن جراح أمته وكيانها المتآكل، بحجةٍ وبدون حجة، فإذا ما كان له من حجةٍ فتتمثل في الخوف من الاستبداد إذا ما نطق، وتلك حجةٌ ينال بها الباطل ولا ينال بها الحق، وإن كانت حقيقة في ذاتها، إلا أن حديثه عن مشاعره وأحاسيسه المكدودة، يُبِين عواره وقلة حيلته، إذ لا يعني سوى جهله بصدق ما أصبح عليه حاله، فليس من الممكن أن يُصدِّق لهيب مشاعرك وأنت صامت، فاقدٌ للغة الإحساس، ولكلمة المشاعر، أنت لم تصِل إلى مرحلة الصمت إلا بعد أن تجاوزت مرحلة الشعور والإحساس، وأنّى بصاحب مشاعر أن يصمت!

لقد أفقدوك إحساسك قبل أن يُفقدوك كلمتك، وغُلِبت على عقلك بعد أن لم تفهم أنك قد سُلِبت إحساسك، وأنتَ المضطهد الذي لن يخسر شيئاً إذا ما صرخ، إنما بصرختك تلك ستكسر قيودك، -بتعبير ماركس- ولن تخسر سواها، فاصرخ ففيها تجد إيقاع الإنسانية ونبض الكرامة، وبمصالحك وخوفك لن تنال غير الضعف والانحدار الأخلاقي، واكتساب شخصية لا تليق بمن تجرّأ على امتشاق القلم من معالي المعرفة.

إن الشعور بالآخر من أنبل السمات وأجلّها، وأقلها وأيسرها، فالشعور ليس فعل يمكن به ومن خلاله تغيير المأساة، كما أنه لا يدفع لتخفيف الوطأة عن الآخر وإنما يدفع الأوهاق عنّا لا سوانا، فإذا لم نستطع رفع المعاناة عنَا بواسطة الشعور، فكيف يمكن لنا أن نرفعها عن غيرنا بواسطة الفعل؟

إننا يومئذٍ لعجزةٌ بدرجةٍ قاهرةٍ، بينما الحياة تنتظر منا أن نفعل شيئاً لا أن نشعر فحسب." بيت الدجاج لا يختلف عن البيت الرفيع، إذا كان كل غرض الإنسان في الحياة؛ هو أن يحمي نفسه من البلل" دستويفسكي. فكيف نخاف البلل ونحن الغرقى، وكيف نحمل الشهائد الرفيعة ونحن المغتربين عن كل ما يحيط بنا، وبما في ذلك أنفسنا، أو كيف ندّعي الثقافة ولا نعمل بها، كما كان الذين من قبلنا، حيث كان الواحد منهم مصباح عصره، ونور دياجير أمته.

المثقف الذي لا تجبرك مواقفه على احترامه، ليس بمثقف، وإنما هو حصّالةٌ لجني الريالات من جيوب المغرمين بترنيمات الكَلِم على أي حال، لاهثاً وراء الشهرة وإشباع غرور ذاته المنتبرة

اكتبوا من أجل مشاعركم حتى لا تتبلّد، لا من أجل الأرواح الصاعدة إلى بارئها فحسب، بل من أجلكم أيها المثقفون المندسون في حذاء المعرفة، اكتبوا ولتجعلوا من أقلامكم مقابِس هدىً تنير بيوت أرواحكم المكدرةِ بالظلام، فمن الغباء أن تقبعوا في مقابر الظلام والمصابيح في أيدكم، أو أن تكونوا مطيةً للسفاسف وفي جوهرة عقولكم ما تتعشق الأجمل، وتكبّر العظيم، فالمثقف لا يُعرف إلا عند الاختلاف، ولا يبان طول باعه من قصر ذراعه إلا حين يباب الأرض أو ذهابها لليباب، فالحماسة من الإيمان، والخنوع من الكفر، والثقة في الله من المساعي الحميدة في سبيل الكمال الإنساني، والخوف من الفقر وبطش الجلاد من كمال الشخصية الإبليسية.

المثقف الذي لا تجبرك مواقفه على احترامه، ليس بمثقف، وإنما هو حصّالةٌ لجني الريالات من جيوب المغرمين بترنيمات الكَلِم على أي حال، لاهثاً وراء الشهرة وإشباع غرور ذاته المنتبرة "الشهرة مومس إن استرضيتها كنت دونها" ميخائل نعيمة. فمن المحال أن يُصدقك طلّابك إذا ما كنت من ذوي "الكراتين" العلمية، أو متابعوك وأنت سابحٌ في عقل إبليس، أو العكس، إذا ما كنت كاتباً يجهل قدَر المثقف، وطور التربية في مسارح الحرف، ولتسأل نفسك الناكصة، عن هذا المهيع الذليل الذي تُقاد إليه برضاك فيما تدعي، أو غصباً عنك فيما تصمت عنه، هل يليق بك أن تكون مجرد "مكنة" لما يوضع فيها، أو لما يُراد أن يوضع فيها، أم تكون إنساناً يختار؛ فيقهر القهر، ويجبر الجبرية، وليكن بعد ذلك المصير، أجلّ وأكرم من "مكنة" يُحدَّد مسارها كما يُحدَّد مصيرها.

إني لأدعوك لأن تكون إنساناً، فقد خرج العباد من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد، وكان لذلكم الداعي آذانُ الفقراء والضعفاء وقليلي التحصيل، أوَ تستعبد بعد 1400 سنةٍ وأنت على ناصية الكلمة، وبيدك قلمك، وفي عقلك من المعارف ما تنوء بحمله الكتب، من أجل حطامٍ زائلٍ وعمرٍ قصير، إذا كان هذا حالك فما حال الجهلاء والحمقى في أمتك، وإذا لم تكن أنت ويكون من وراءك أجيال، فمن ترى سيكون القدوة، ومن سيقود مشعل النهوض من الرابضين، واكتظاظ الأحزان يسري في عروق الأوطان المنبثقة من رحم هذه الأمة الذاهبة في الاندراس، لن تُعذر ولن تُقدّر، مالم تنطق، أو تنطلق من الأرض التي تخشى فيها ذيول حياتك.