بين وُجودي وعَدمي

BLOGS- التأمل

نحن البشر قد نغيب كثيراً عمن نحب لما تقضيه الطبيعة البشرية من قرب وبعد، وجمع وشتات، وانفتاح وانغلاق. سألني صديق مقرّب لي: لماذا تحبّ الغياب كثيراً؟، فسافر بي سؤاله إلى محاولة فهم الوجودية والعدمية، حيث أن الإنسان من حين أن يولد إلى أن يموت يصارع على البقاء وإثبات وجوده.  عُدتّ وفتشت في كتبي واجتذبني كتاب (أسرار الحياة) للفيلسوف الكبير أوشو وبالمصادفة وقعت عيني للمقولة التي كنت أحتاجها: "فن عيش الحياة يبدأ بممارسة التأمل، ادخل غرفتك اجلس وحدك وسط صمت مطبق هكذا تصل إلى مركز كينونتك وستتعرف إلى الكنز الذي هو حقيقتك ولحظة تتعرف إليه تتفجر ذاتك حبا وتصبح عاشقا للحياة حتى كلماتك تتحول إلى قصائد حتى صمتك سيصبح أغنية حتى ولو كنت جالساً دون حراك ستشعر وكأنك ترقص أنفاسك لتدفئ وجنات المغرورين وكل نبضة من نبضات قلبك هي كنز وثروة لأنها نبضة قلب الوجود بذاته…لا تنسى أنت جزء منه".

قد يبدو الأمر جنونياً حينما تستمع للفيلسوف أوشو يتحدث عن الوجود فهو يرى أنّ اللحظة الوجودية للإنسان هي اللحظة التي يعرف فيها ذاته ويعرف ما يشبهه في هذا الكون. وهذا المعنى عميق جداً يبعث للنفس أن الكون كما قال أوشو:" يعزف أغنية الوجود" فكلنا مدعوون إلى ذلك الجمال وتلك السيمفونية الخالدة، والتي يجب أن نعزف ألحانها نحن البشر! 

نحنُ البشر مندفعين جداً في حياتنا، قد لا نتوقف للحظات لِنرى جمال الوجود، بل بالعكس نسرع في الدورة الحياتية التي قد توصلنا إلى مرحلة الجمود الشعوري، وذلك يكون حين يشيح قلبك عن نفسك، وبصيرتك عن النّور المشع ليلاً ونهاراً

الوجود هو النّفَس ونبضة قلبك إلى حبيب، وقربك منك، وضحكة صديق، ولطالما أحببت الكلام في الوجود واللحظة! فالبعض يرى الوجود فقط هو حقيقة أننا موجودين على هذه الحياة، ولكن في وجهة نظري ما يجعلُ الحياة حقيقية هو المعنى والمعنى هو الحبّ، أنّك لم تُخلق عبثاً بل حباً. الوجود هدية الله ولولا أنّ الحياة ليست عظيمة لما أوجدنا الله بها وأرانا ما يدلّ على عظيم صنعه وجماله. ومع هذا لا أزعم أن نترك التفكير بالآخرة بل بالعكس قال ربنّا الحبيب: "وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا…"، فسّرها كما شئت؛ ولكنْ المُؤكّد هو أنّ الحياة تستحق أن تُعاش وكُن حراً في طريقك، فكلّ إنسانٍ أُوجد على هذِه الأرض منذ خَلق اللهُ آدم إلى هذه اللحظة له طريقٌ وطريقةٌ في الوجود؛ فـ " كلٌ ميسّر لما خُلق له". 

نحنُ البشر مندفعين جداً في حياتنا، قد لا نتوقف للحظات لِنرى جمال الوجود، بل بالعكس نسرع في الدورة الحياتية التي قد توصلنا إلى مرحلة الجمود الشعوري، وذلك يكون حين يشيح قلبك عن نفسك، وبصيرتك عن النّور المشع ليلاً ونهاراً.  هو "الحيُّ" جلّ وعلا، فكُن حيًّا واصنع في هذه الحياة معنىً يُبقي لوجودك أثراً، هكذا يُثبت الوجودْ. نزورُ المقابِر لا لأننّا نتذكّر الآخرة فقط؛ ولكن أيضاً لنقدّر نعمة الوجود أو كما قال الدكتور إبراهيم الفقي -رحمه الله: " عش كل لحظة وكأنّها آخر لحظة في حياتك، عش بالحب وقدّر قيمة الحياة"".