السعادة في العقد الثالث

blogs- السعادة
في الثلاثين من العمر يعيش البعض فيض من الانغلاق والحزن والاكتئاب وتجاهل الاهتمام بالنفس وموجة من التغيرات والانقلابات وكأنهم يودعون الحياة بشكل نهائي، بالكثير من الملل والكسل والتقوقع داخل فكرة الثلاثين عاماً التي مضت من حياتهم، ما الفرق بين الثلاثين والخمسين والعشرين والثمانين؟

أنا أقول لكم هي ثلاث أشياء..
– ما أنجزته في السنوات السابقة
– اهتمامك بنفسك
– وشغفك لتعلم شيء ما غداً
من يفقد هذهِ الثلاثة سيكون عجوزاً وهو في العشرين من العمر.

الانجازات في الحياة على الصعيد الشخصي، والمهني كلاها تحسب وتؤخذ ضمن ما تفخر بهِ في هذه الحياة وتدفعك للاستمرار غداً وبعد غدٍ ولعمرك القادم مهما طال بكِ عداد السنوات أو قصر.. أما الاهتمام بالنفس الذي يغض عنه البصر الكثيرون ويقدمون حِججاً وبراهين وإثباتات بأن انشغالات الحياة لم تترك لهم متسعاً من الوقت للاهتمام الكافي بالنفس والمظهر وتفاصيل الحياة البسيطة التي كانوا يتمتعون بها في أيام الصِبا والشباب.


إن العمر عداد، والسعادة قرار، والرغبة في تجدد الحياة والنظر إليها نظرة مشرقة تحمل كل الثقة هي قرار ايضاً، من أهمل حياتهُ وتفاصيلها واكتفى بمادياتها سيلقى منها الاعتيادية والرتابة والملل.

أرغب أن أخبركم يا سادة بأن تجاهلكم لتفاصيلكم الجميلة العفوية النقية التي تبعث فيكم الفرح هو قرار شخصي منكم، وسأخبركم كيف! أنت من تستبدل الطعام الصحي بطعام آخر.. أنت من تتجاهل النزهة الأسبوعية والوقت برفقة الأصدقاء والضحكات الخالية من المصالح العملية.. أنت من تتوقف عن ممارسة الرياضة وتفقد قوامك الممشوق وتصعب عليك الحركة والوقوف باستقامة متزنة.. كذلك أنت من تتجاهل الاهتمام بملبسك وهندامك وعطرك ولون ربطة عنقك.

أنتَ من تنسى أن تهتم بزوجتك وتلاحظ تفاصيلها، وأنتِ تنسين أن تركضين نحوه بشغف تقبلينهُ، بدل الركض خلف الأطفال والصراخ بأعلى صوتكِ أمامه! عدم الاهتمام هو قرار، فلا داعي لكل الأسباب التي من شأنها أن تبررهُ.. أما شغف التعلم هذا والرغبة في المعرفة والإكتشاف فغالباً ما يفقدها الإنسان في عمرٌ مبكر.. الرغبة في المعرفة والتعلم هي التي تجعلك على قيد الحياة بلهفة الشباب الأول.. وتستمر بروحٌ ومعنويات مرتفعة لا يحبطها شيء.

من يستيقظ صباحاً لديهِ هدفٌ وشيء يفعلهُ ويسعى إليه يشعر بالحياة تتدفق في دمهُ واليأس بعيداً كل البعد يخشى أن يطرق بابه.. الحاجة وحب الاكتشاف والاطلاع ليست حصراً على أحد.. والأسباب ذاتها التي ذكرتها فيما سبق يُضاف إليها المرض والتعب والتقدم في العمر والانشغالات التي لا تنتهي، فالعمر لهُ نهاية، ومشاغل الحياة لا نهاية لها، إنها سلسلة مستمرة تسرقنا من الاستمتاع بأوقاتنا والتجدد في أيامنا.

لعلنا بعد هذا الكلام نتخذ موقفاً حاسماً ضد أعداء العمر الرتيب الذي يشعر معهُ الإنسان كأنه عجوزُ وهو مازال بصحتهُ وعافيتهُ وكامل إرادتهُ وقوتهُ.. العمر عداد يا جماعة الخير! عداد ينبئك بما حققته وأنجزته، بأوقات جميلة عشتها وساعات فرح قضيتها، وبأشخاص أثرت بهم وساعدتهم وكُنت أساس مشترك لحياة أفضل معهم، من هذا المنطلق لنترك للناس حرية الاختيار، ولنكف عن إيجاد قيود مجتمعية تجرف بالأفراد لواقع لا يرضينا ولا يعجبنا، لنكف عن محاولة تزويج شبابنا في أعمار معينة خوفاً عليهم من العنوسة.

لنكف عن دفن آباءنا بالحياة وعدم منحهم الاهتمام والحب والأهمية اللازمة أثناء حضورهم وتواجدهم فقط لأنهم قد بلغوا الستين من العمر.. وأذكر هنا قوله سبحانه وتعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).

إن العمر عداد، والسعادة قرار، والرغبة في تجدد الحياة والنظر إليها نظرة مشرقة تحمل كل الثقة هي قرار ايضاً، من أهمل حياتهُ وتفاصيلها واكتفى بمادياتها سيلقى منها الاعتيادية والرتابة والملل.. ومن قرر أن يعيشها بتوازن وإعطاء كل التزام وانشغال حقه فهنيئاً لهُ وسلام على مدى أيام عمرهُ القادمة.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان