لم أكن في شيكاغو يوم استيقظت على صوت قُنبلة هزّت ساحة منزلنا وجعلتني أقفز من السرير رغم نومي العميق.. ولا حتى في حلب أو غزّة، بل كُنت في قريتي الصغيرة الوادعة المُلقبة بزهرة القرى في الداخل الفلسطيني 48 وكان من ألقى القُنبلة أحد المُجرمين من أبناء جلدتنا! لا أنسى تلك الليلة، فقد كانت في رمضان وكانت الساعة الواحدة والنصف فجرًا، وكُنت عائدًا من صلاة التراويح في المسجد الأقصى، وقد أيقظني صوت الانفجار ورُحت أحاول فهم الأمر فوجدت الناس تجتمع كالعادة، وتتكلم وتتناقش وتستنكر كالعادة، فقررت العودة إلى النوم رغم كُل شيء، تمامًا كما يُفعلون هُم.. بعد كُل النقاشات التي تلحق كُل عمليّة "طخ"!
في الصباح وجدتُ أن تلك القُنبلة -كالعادة- لم تكن إلا مهزلة أخرى من المهازل التي نعيشها في الداخل الفلسطيني في "الجنة" التي يُسمونها "إسرائيل"، حيث أخطأ أحد الزُعران بإلقاء القنبلة على منزلنا، ولم نعرف الجاني ولم نهتم كثيرًا فلسنا أفضل من عشرات بل مئات العائلات ممن قُتل أبناؤها في هذه "المهازل" في الداخل، فبحسب الإحصائيات لم تتمكن الشرطة الإسرائيلية من الكشف عن المجرمين في حوالي 90% من جرائم القتل منذ عام 2000، وهو ما يعني أن هناك 900 ملف قتل لا يزال الجاني فيه مجهولاً.
| ليس من الصعب على أي "أزعر" أن يشتري له سلاحًا من طراز "كارلو" بـ 2000 دولار مثلاً، ولهذا ليس نادرًا أن تسمع وأن جالس في بيتك صوت رصاص. |
في قريتي الوادعة وحدها شهدنا مُنذ بضع سنوات مقتل 3 شباب على يد مُجرمين، وفي الداخل الفلسطيني ومنذ عام 2000 لقي أكثر من 1150 شخصا مصرعهم وهو عدد لا يختلف كثيرًا عن عدد الشهداء في حرب غزّة عام 2009، بيد أن "الحرب" في الداخل مُستمرة ولا تتوقف كما الحروب وقد بلغت أعمال العنف ذروتها عام 2016 حيث لقي 57 رجلاً وامرأة مصرعهم في عام واحد فقط، وهي أعداد مُرعبة إذا ما تخيّلنا أنها لم تُرتكب بيد قوات الإحلال ولكن على يد "عصابات" لا تصل الشرطة "الإسرائيلية" إليها غالبًا، بقصد أو غير قصد.. وليس يُرعب أكثر من تلك الأرقام إلا فوضى السلاح، فرغم كُل الإنجازات التي تُفاخر بها الشرطة الإسرائيلية أمام العالم إلا أن عدد الأسلحة غير المرخصة في الداخل الفلسطيني قد بلغ 320 ألف قطعة غير مُرخصة، وفي عام 2014 قدّرت الشرطة الإسرائيلية عدد الأسلحة غير المرخصة في منطقة المثلث -حيث تقع قريتي "الوادعة"- بحوالي 20 ألف قطعة سلاح، وفوق هذا تخرج علينا الشرطة نفسها كُل عام لتتحدث عن إنجازها بالعثور على 100 منها، وفوق هذا تجد بعضنا يُصفق لها.
من عاش ويعيش في الداخل الفلسطيني، يعلم أن أعين المُخابرات في كُل حدب وصوب ولا يكاد المرء يُفكر بحيازة سلاح من أجل فلسطين حتى يُقذف في زنازين المُخابرات، بينما تجد آلاف الأسلحة الموجهة نحو الفلسطيني في الداخل ومن أين؟ من مخازن سلاح الجيش الإسرائيلي، وهو ما تذكره تقارير إسرائيلية كثيرة فيها تفاصيل أكثر، فسعر القُنبلة يصل إلى حوالي 100 دولار أما سلاح "كارلو" فيصل إلى 2000 دولار، بينما رشاش من طراز "إم 16" فقد يصل إلى أكثر من 10 ألف دولار، أما الرصاصات فتتراوح أسعارها بين دولار إلى 10 دولارات تقريبًا.
بالتالي ليس من الصعب على أي "أزعر" أن يشتري له سلاحًا من طراز "كارلو" بـ 2000 دولار مثلاً، ولهذا ليس نادرًا أنت تسمع وأن جالس في بيتك صوت رصاص، وعلى خلاف الوضع في الضفّة وغزّة، فإن هذه لا تُعبر عن اشتباكات مع الجيش الإسرائيلي، بل تدريبات "الزعران" أو اشتباكاتهم فيما بينهم، وقد وجدتني ذات يوم أشاهد فيديو على موقع التواصل الاجتماعي لشاب يقوم بإطلاق الرصاص في أحد شوارع قريتي والناس تصرخ، تمامًا كما يحصل في الأفلام.. أو كأننا في شيكاغو!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

