نتائج البارسا في الحضيض، الكل يعلم أن أيام ريكارد معدودة. تقابل تشيكي بيغرستين، اللاعب السابق في الدريم تيم، والمدير الرياضي لمشروع لابورتا، مع مورينيو في أحد الفنادق الفاخرة، بالتحديد في بداية العام 2008. تحدث البرتغالي عن خططه ومشاريعه، ماذا يريد وكيف سيلعب، مع بعض المناوشات حول تصريحاته. في برشلونة هذه الأشياء غير مفضلة، ليتم تقريب وجهات النظر في نهاية الجلسة، مع التأكيد على إمكانية حدوث الصفقة، بقدوم البرتغالي لقيادة سيد الكتلان.
لكن القرار كان قد اتخذ بالفعل! مورينيو مرفوض، مرفوض، مرفوض، بأمر من يوهان كرويف، الرجل الذي له كلمة على لابورتا والجميع داخل النادي، ولم يكتف بذلك فقط، بل نصحهم بالمقامرة على بيب جوارديولا، لتصل الأخبار إلى جوزيه. بالطبع لم يصدق طريقة تفكيرهم، لينقل جورجي مينديز، وكيل أعماله والصديق المقرب من رئيس برشلونة، رسالته إلى إداريي النادي البرشلوني، لقد ارتكبتم هفوة قد تكون قاتلة، انتهى زمن المعجزات في كرة القدم.
| تبقى إدارة برشلونة الحالية بعيدة كل البعد عن القرارات الرياضية الذكية، مع تميزها في الشق الاقتصادي |
المفاجأة كانت في طريقة نجاح بيب، لقد حقق كل شيء مع الفريق، وصنع جيلا يصنفه الكثيرون كأحد أعظم فرق كرة القدم على مر التاريخ. وبعد قراره بعدم الاستمرار في 2012، رحل الفيلسوف بعيدا تاركا روسيل الرئيس الجديد في معتقداته وقناعاته، التي تنص على إمكانية نجاح أي شخص يتولى تدريب برشلونة.
وبالتالي راهن على تيتو فيلانوفا مكان بيب، إلا أن الأمور تغيرت كثيرا، ابتعد العراب كرويف عن الآراء الفنية، ولم يكن تيتو بنفس درجة ذكاء وقوة شخصية وحيوية غوارديولا، ليبدأ الفريق رحلة هبوط وصعود من مدرب إلى آخر. لا يزال البارسا أحد الفرق الكبيرة في العالم التي تحقق بطولات عديدة، لكن طريقة الفوز اختلفت، وتساوت الكفة في النهاية مع مختلف المنافسين، على مستوى البريق والاهتمام الجماهيري والإعلامي على حد سواء.
وتمر الأيام ويقرر لويس إنريكي هو الآخر عدم الاستمرار في منصبه كمدربا لبرشلونة، لتؤكد الصحف الكاتلونية أن خوان كارلوس أونزوي، مساعده، سيكون هو المدرب الجديد. وإن صحت هذه الأقاويل، فإن بارتوميو هو الآخر يعيد خطأ روسيل بكل حذافيره، لأن المساعد القوي في طاقم إنريكي ليس بالضرورة أن يكون قائدا ممتازا. وحتى مع تفوقه في لغة الأرقام والإحصاءات، وقيامه بكافة الأعمال التي تعتمد على التكنولوجيا والفيديو داخل غرفة الملابس، إلا أن الرؤية التكتيكية بعيدة المدى هي من تكتب لغة المدرب، وتجعله قويا في لعبة التفضيلات.
تيتو كان مساعدا ممتازا، عمل بشكل رائع رفقة بيب، وكان قريبا من كل النجوم داخل الفريق، لكن حينما تولى مهمة الرجل الأول، ومع التسليم بالمرض اللعين الذي أصابه، قل الأداء الجماعي للبارسا مع الوقت، وحدث الخلل في منظومة الضغط، لتعتمد المجموعة بشكل كلي على ميسي في نهاية المطاف، إنها المعادلة الصعبة الأشبه بطلاسم وخبايا الكيمياء، التي تضع هذا المدرب في مصاف الكبار نتيجة تميزه في أدق التفاصيل، بينما تبعد زميله عن ذلك المسار وتصفه فقط بالجيد إلى المقبول.
تعاني إدارة برشلونة حاليا من ضيق أفق المشروع الرياضي، ضم الفريق صفقات عديدة بأسعار فلكية مع أداء مخزي، توران، غوميز، ألكاسير، والقائمة تطول. ويعتبر هذا الأمر تحديا جديدا لأي مدرب، وعلامة أخرى على ضرورة التغيير الجذري، بالتعاقد مع مدرب جديد بأسلوب لعب مختلف ورؤية مغايرة، دون المساس بتقاليد وإرث النادي في النهاية.
وبدراسة أسباب قرار إنريكي بالرحيل الخاص بالضغط والتعب، فإن هذه الأمور أيضا يجب أن تقترب بالطاقم المساعد، فإدارة برشلونة تغنت طويلا بجماعية الجهاز الفني، ووجود عدد كبير من المساعدين رفقة لوتشو، ومع رحيل الرجل الأول، يجب أن ينفرط العقد بالكامل، ويلحق أونزي برفيقه. باختصار شديد كل أسباب مغادرة إنريكي تجعل الرهان على أونزوي خيارا غريبا، على مستوى المرونة التكتيكية، التعامل مع المباريات الكبيرة، الصفقات والتعاقدات، وقراءة المتغيرات وإجراء التبديلات في الأوقات الحاسمة.
بالعودة إلى تفضيلات بيب-مو، يجب التأكيد على دور كرويف المحوري في قلب الأمور لصالح تلميذه النجيب، مع الإشارة إلى عدم وجود أي شخص آخر على وجه الأرض يتحمل هذا القرار غريب الأطوار. وتبقى إدارة برشلونة الحالية بعيدة كل البعد عن القرارات الرياضية الذكية، مع تميزها في الشق الاقتصادي، لذلك أجد نفسي مصدقا لكلام الصحف التي تؤكد تولي أونزوي مهام الرجل الأول، وأرشحه للسير على خطى إنريكي، مجموعة فنية تعمل بالأرقام والفيديو، لكنها لا تملك الرؤية التكتيكية بعيدة المدى.
| كومان مدرب كبير وتلميذ قديم لكرويف، لكنه عانى خلال كافة تجاربه من فخ التكرار، مدير فني يلعب بطريقة لعب شبه ثابتة، براجماتي واقعي إلى أقصى درجة |
ويبقى السؤال الأقرب إلى الفانتازيا، ماذا لو كان كرويف بيننا حيا يرزق؟ كيف سيكون اختياره للمدرب الجديد؟
في الحقيقة الإجابة على هذه الأسئلة ليست صعبة خصوصا إذا كنت تعرف الأسطورة الهولندية بشكل جيد، إنه رجل يؤمن بلغة المغامرة، لا يضع كلمة مستحيل في قاموسه، عاشق ومتيم بالكرة الجميلة، يفضل التخيل في اللعب، ويميل دائما إلى العمل التكتيكي الهادف إلى النجاح خلال سنوات طويلة، هو لم يهاجم إنريكي علانية لكنه لم يكن من كبار مناصريه بسبب نسف فكرة التمركز، ولجوء برشلونة في بعض المباريات إلى أسلوب الخطف مثل منافسيه، أي أنه في النهاية لن يكون أبدا من فريق خوان كارلوس أونزوي، سيفكر في اسم آخر، مدرب بعيد تماما عن دائرة الترشيحات.
كومان مدرب كبير وتلميذ قديم لكرويف، لكنه عانى خلال كافة تجاربه من فخ التكرار، مدير فني يلعب بطريقة لعب شبه ثابتة، براجماتي واقعي إلى أقصى درجة، حقق بطولات مع بعض الفرق التي دربها في هولندا وإسبانيا لكن دون بصمة لا تنسى. هو رجل جيد تكتيكيا لكنه ليس ممتاز، لا سيء ولا عبقري، من الصعب القول بأنه مدرب صغير لكنه أيضا ليس من الصفوة، كومان على الدكة خيار مقبول جدا لكنه أبعد ما يكون عن الإبهار، سيحبه كرويف بكل تأكيد، يجلس بجواره ويتذكر معه الأيام الخوالي الجميلة، لكنه لن يختاره أبدا لقيادة برشلونة، كان أحق به أن يفعلها في 2008 بعد رحيله من فالنسيا.
فالفيردي في المقابل يدرب منذ سنوات طويلة، حصل مع بلباو على فرصة كاملة، لكنه لم يضف شيئا جديدا، مجرد فريق قوي في ألعاب الهواء، يطبق الضغط بصورة مجنونة على طريقة مارسيلو بييلسا. لقد سار المدرب الإسباني على نفس مبادئ اللوكو، بمحاولة خنق الخصم في نصف ملعبه، بدون أي إضافات أخرى، ليبقى بلباو كما هو في الوسط، لا يعرف كيف ينافس الكبار، ولا يقترب من الصغار في مراكز الهبوط. إرنستو رجل لا يعرف المغامرة، ويوهان كرويف عدو هؤلاء الخائفين من التغيير.
أونزوي كخيار يبدو غير منطقيا بعد قرار إنريكي بعدم الاستمرار، وكومان كان يجب الاتصال به من قبل، لكن فات الأوان وصار الأمر مملا، بينما فالفيردي لم يقدم أي شيء استثنائي طوال مسيرته يسمح له بهذه الخطوة، وبالتالي سيفكر يوهان كرويف في خيارات أخرى، بعضها سيكون مطابقا لأحلام شريحة كبيرة من جمهور البارسا، وبعضها سيكون صادما للجميع، في انتظار التدوينة القادمة لسرد الجزء الثاني من الحديث عن المدير الفني الجديد للبلاوغرانا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

