الهوية الممزقة

blogs - هوية
حبّ الانتماء وتحديد الهوية هو عادة ما يدفعنا لفعل أشياء قد لا نفعلها لو كنا بمفردنا، أو لإجبار أنفسنا على الخضوع لفكرة لا تهضمها آليات تفكيرنا، وغالباً ما نفعل ونقول أشياء بحكم العادة والعرف لا من باب الاستنتاج المنطقي إرضاءً لحاجة خلقتها عقولنا هي الانتماء، فصرنا نرى الحق كل الحق ما يراه فريقنا، محاولين إثبات ذلك لأنفسنا أولاً بأسباب وبراهين لو مررناها على ميزان المنطق لما تحرك مؤشره، مُلزمي أنفسنا قوقعة التفكير الجمعي لا ننظر إلى أمرٍ إلا من زاويته الضيقة، حتى بات يشملنا قول دريد بن الصمّة: وهل أنا إلا من غزيَّةَ إن غوت *** غويت وإن ترشد غزية أرشد.

فنرى أن انتماءاتنا هي من تحكمنا في الواقع، وهذا الأمر هو العائق الأول أمام أي تطوير أو تغيير ما دمنا نجبر أنفسنا ألا نرى الأمور إلا من منظور المجموعة مما يخمد نار العقل ويكبّل سنن الفطرة الإنسانية، ويلجم فرس الطموح، حتى نرى أن من لديه طموحاً في الوصول إلى سلطة ما فإن هدفه هو السلطة ذاتها، وليس له أي طموح في التغيير أو النهوض بالمجموعة.

فما الذي يحصل حين يضيع الانتماء؟
في الأزمات غالباً ما تهدم الانتماءات، فنرى أن الأفراد مهيئين للانتساب لأي مجموعة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار على قدر إعمال كل فرد لعقله ربما، أو على قدر اختلاطه بهذه المجموعة الجديدة ومدى تعرضه لها وللتأثر بها! ومدى تعارضها مع انتمائه الأول أو عدم تعارضها؛ فقد يكون الانتماء الأول مكاني، بينما يكون الانتماء الجديد إيديولوجي… وهكذا نرى أن كل فرد هو نتيجة عدة تحولات انتمائية، أو تقاطع عدة انتماءات غالباً ما يكون الغاية منها هو الانتماء بحد ذاته لا الفكرة التي تجتمع عليها المجموعة، لأن ذلك الانتماء هو ما يشعره بالقوة كونه يرى نفسه ضعيفاً كفرد معزول أمام جماعة معادية، لأننا غالباً ما نقرأ الناس بلونين الأبيض والأسود، صديق أو عدو، هذا ما أورثنا إياه أي تفكير جمعي انتمينا له سابقاً، وهكذا أيضا تقرأه المجموعة ”كل من لا ينتمي إلي فهو عدوي“، فلا يرى أمامه إلا الانتماء ليحتمي بهم منهم، فتتعدد الانتماءات وهذا هو الأخطر.

الانتماء الواحد الذي فقدناه لأجيال بنى دولةً حكمت بالعدل لقرون ولا تزال شواهدها في أنحاء الأرض دلالة على عمرانها، وما تبقى من مؤلفاتها دلالة على نهوضها وتطورها وتفكرها.

لقد ورثنا عبر أجيال من الضعف والانحلال تعدد الانتماءات، فاختلفنا في ترتيبها واختلفنا في تقديسها فضاعت هويتنا بعمل ممنهج منذ القدم فصار كل انتماء فيه عشرات الفرق وأصبح كل فرد منا محصور في دائرة ضيقة مؤلفة من تقاطع مئات الدوائر الانتمائية حتى نرى في الأسرة الواحدة هنالك اختلافات في الانتماءات بشكل لو تفكرنا فيه ملياً لأوصلنا إلى الذهول، والأغرب في الأمر أن أغلب هذه الانتماءات هي مجرد تبعية عُرفية غير منطقية.

الانتماء الواحد:
حينما يكون الانتماء مبنياً على الفكر لا التسليم، والمنطق لا التبعية، والفكرة لا الجماعة، والإعمار لا التكتل، حينما يكون الانتماء بعد بحث وتقصي عن الحق والحقيقة لا عما نشتهي أن تكون الحقيقة يكون انتماءً فعالاً وبناءً وواحداً للجميع دون أن يتفقوا على الاجتماع، وتكون السلطة فيه سبيلاً للتطوير والبناء وليست نزوةً للتحكم والألوهية، والآخر ليس عدواً ما لم يحاربنا، هذا الانتماء الواحد الذي فقدناه لأجيال بنى دولةً حكمت بالعدل لقرون ولا تزال شواهدها في أنحاء الأرض دلالة على عمرانها، وما تبقى من مؤلفاتها دلالة على نهوضها وتطورها وتفكرها، رجل واحد بنى بالفكر أمّة، وما نقول في انتماء بدأ بـ”إقرأ“ والتفكّر فيه فرض عين فقال محمد صلى الله عليه وسلم ”لا عبادة كالتفكير“ ، وقال تعالى: ”قل هل يستوى الأعمى والبيصرأفلا تتفكرون“، ونهى هذا الفكرعن التبعية العمياء فقال تعالى: ”وإذا قيل لهم اتَّبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتَّبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون“.