العقل الأسير

BLOGS- العقل الباطن
نتعرض يوميا ليل نهار وبشكل مستمر على مدار الساعة، لكم هائل من المعلومات المدروسة المنتقاة، ولنمط حياة يُفرض علينا فرضا عبر مختلف وسائل الإعلام المرئية منها والمسموعة والمقروءة، وكل ذلك من تدبير وتخطيط وكيد غيرنا، ورغم جهلنا بخطورة ما نتعرض له من عملية جماعية لغسيل للدماغ عبر هذه الوسائل، إلا أنه ثبت علميا بأنها تساهم بشكل كبير في صناعة عقلية الفرد والمجتمع، فكيف يؤثر كل ذلك في تغيير سلوكياتنا وصنع قراراتنا كأفراد ومجتمعات؟؟؟


"قراراتنا تصنع في عقلنا اللاواعي عدة ثواني قبل أن ندركها بعقولنا الواعية" هذا ما خلص إليه العلماء والباحثون في معهد "ماكس بلانك" لعلوم المخ والأعصاب في المانيا في دراسة مهمة جدا، أظهرت قوة العقل اللاواعي عندنا في صناعة قراراتنا؛ حيث وُضع الباحثون المشاركين داخل جهاز الرنين المغناطيسي، وأعطوا لكل واحد منهم لوحة بها زر، وأكدوا لهم بأن لهم الحرية التامة في اختيار اليد اليمنى أو اليسرى للضغط على ذلك الزر وما عليهم فقط إلا أن يعلموا الباحثين في الثانية التي قرروا فيها أي يد سيستعملون لضغط الزر، وبمساعدة جهاز الرنين المغناطيسي الذي كان يقرأ إشارات الدماغ لكل مشارك استطاع الباحثون أن يحددوا وبكل دقة أي يد سيستعمل المشارك لضغط الزر قبل أن يقرر المشارك نفسه بأي يد سيضغطه! والسؤال الكبير كيف تم ذلك؟


العقل الباطن هو الجهاز الذي بالإضافة إلى تحكمه في جميع الوظائف البيولوجية اللاإرادية للإنسان كالتنفس ودقات القلب وتقنيات الحركة، هو كذلك يتفاعل ويستجيب بطريقة أوتوماتيكية، تلقائية، بناء على ردود الفعل السلوكية المخزنة سابقا، والتي اكتسبها من خبرات سابقة، أغلبها كان في مرحلة الصغر.

كي نجيب على هذا السؤال علينا أن نعرف أولا ما هو العقل اللاواعي. وحيث أن هناك اختلاف بين المدارس النفسية والفكرية بشأن تحديد مفهوم دقيق للعقل اللاواعي، فإنه يمكننا اعتباره على الإجمال، بأنه هو الجهاز الذي بالإضافة إلى تحكمه في جميع الوظائف البيولوجية اللاإرادية للإنسان كالتنفس ودقات القلب وتقنيات الحركة، فهو كذلك يتفاعل ويستجيب بطريقة أوتوماتيكية تلقائية بناء على ردود الفعل السلوكية المخزنة سابقا التي اكتسبها من خبرات سابقة أغلبها يكون في مرحلة الصغر، ويحتوي العقل الباطن على المحركات والمحفزات الداخلية للسلوك، كما أنه مقر الطاقة الغريزية الجنسية والنفسية.


وكمثال لآلية عمل العقل اللاوعي؛ إذا كنت جائعا لا تفكر "أنا جائع يجب أن أذهب لشراء الطعام" بل أنك على الفور تذهب لتحضر شيئا تأكله أو حتى إذا كنت عطشانا فأنت لا تفكر "أنا عطشان يجب أن أحضر الماء لأشرب" بل تذهب مباشرة وتلقائيا لتشرب. وأيضا فالناس بالرغم من محاولاتهم العديدة للتفكير بشكل إيجابي إلا أنهم يفشلون في نهاية المطاف، بالرغم من كونهم يعرفون جيدا كم هو التفكير الإيجابي هام جدا لعيش حياة سعيدة.


ويرجع السبب في ذلك إلى أن التفكير بشكل إيجابي أو بشكل سلبي لا يرجع إلى العقل الواعي، إنما يرجع إلى العقل اللاواعي الذى يختزن المشاعر السلبية و الايجابية لدى الإنسان و الخبرات التي تعرض لها، و من ثم يتخذ القرارات اللاواعية التي تجعل الإنسان يفكر بشكل إيجابي أو سلبي لذا تكمن دوما النصيحة للتفكير بشكل إيجابي والتغلب على التفكير السلبي هي أن يقوم الإنسان بهوايات وأشياء يحبها وتسعده مما يجعل لدى العقل الباطن مخزونا من الخبرات الإيجابية التي تجعله يعكسها على التصرفات اليومية لدى الإنسان.


إذا فالخبرات السابقة التي طبعت على العقل اللاواعي، هي التي تبرمجه وتعطيه خارطة الطريق لكيفية التصرف بشكل أوتوماتيكي في مختلف المواقف، فالعادات والممارسات المختلفة والطباع كل ذلك يتحكم به العقل اللاواعي.


وبناء على هذا الاستنتاج المهم، خلص المشتغلون في ميادين كالإعلام والاقتصاد والتجارة والإدارة والسياسة -والذين لا يتوقفون عن دراسة الإنسان- لأهمية العقل الباطن في تغيير سلوك الإنسان والتحكم فيه وتوجيهه، وذلك باستغلال نقطة ضعف البشرية فيما يخص العقل اللاواعي وهي إمكانية برمجته وإدخال ما يشاؤون من أفكار وقيم وتصرفات وطباع إلى هذا العقل اللاواعي -والذي لسوء حظ البشرية أنه لا يميز بين الخير والشر، أو بين الجيد والسيء، أو بين الصواب والخطأ – والآلية التي نهجوها للتأثير في العقل اللاواعي كانت هي "التكرار"؛ فبالتكرار لا بالمنطق يمكن أن يتغير الإنسان، فتكرار الشيء حتى يصبح عادة لا تحتاج إلى التفكير والتركيز يجعلها تترسخ في العقل اللاواعي للإنسان، وبالتالي تصبح هذه العادة المكتسبة سمة في شخصية الإنسان.


وكمثال للتوضيح، نجد أن نشر ثقافة العري والفجور والعلاقات غير الشرعية في مختلف وسائل الإعلام، يعتمد بشكل كبير على تكرار هذه المشاهد وعددها الكبير الذي يتعرض لها الشخص في اليوم والليلة الواحدة وإظهارها بشكل فني جمالي يأسر أنظار الفرد، والتي أغلبها تريد دفعه للتعاطف مع الذين يمارسونها ليسقط هذا الفرد وبفعل هذا التكرار في فخ التطبيع مع هذه المشاهد، فلا ينكرها إن رآها مستقبلا، بل ومع كثرة التكرار وتطبع الناس على هذه المشاهد وانتشارها بين الناس في نفس المجتمع، تجده هو شخصيا يقوم بها. وكذلك فقد ثبت علميا علاقة العنف لدى الأطفال ومشاهدة الرسوم المتحركة التي تحتوي على مشاهد عنف.


الخطير في الأمر، هو أنه عندما يريد الشخص تغيير سلوك ما، قد اكتسبه بفعل تعرضه المستمر لمختلف وسائل الإعلام، لا يوفق إلى ذلك منفردا، نظرا لكون سلوكه قد خرج عن دائرة الوعي ودخل دائرة العادة، ولا يمكن للعقل الواعي مواجهة العادة.

والخطير في الأمر، هو أنه عندما يريد الشخص تغيير سلوك ما، قد اكتسبه بفعل تعرضه المستمر لمختلف وسائل الإعلام، لا يوفق إلى ذلك منفردا، نظرا لكون سلوكه قد خرج عن دائرة الوعي ودخل دائرة العادة، ولا يمكن للعقل الواعي مواجهة العادة. فلا تواجه العادة إلا بعادة أخرى تكسرها وتستبدلها، وللقيام بذلك وجب على الإنسان خلق بيئة أخرى سليمة للتغيير ومحاولة تغيير برمجة عقله اللاواعي ليتشرب العادة الجديدة. وهو ما يستلزم جهودا مجتمعية من الأسرة والأصدقاء ومختلف المؤسسات الاجتماعية والسياسية للمساعدة في بناء عادات وسلوكيات حميدة، ليمارسها أفراد المجتمع.


 يجب كذلك على هذه المؤسسات أن لا يتركوا الإنسان في معركة خاسرة مع من يخاطب العقل اللاواعي فيه لتغيير قناعاته من إشهارات وأفلام وبرامج بل عليها -هذه المؤسسات- التصدي لهذه المؤثرات ومنعها، وخلق بديل جيد لها يسمو بالإنسان وبسلوكه وتصرفاته وقناعاته، أما ما ذهب إليه بعض "المصلحين" من تركهم للناس لهذه الجهات التي تريد غسل أدمغتهم للتلاعب بهم وبتصرفاتهم وقراراتهم وطرق عيشهم بدعوى "الخير بيٍن والشر بيِن" فهو خيانة للمجتمع والناس ولرسالتهم الإصلاحية ولا يقول بذلك إلا جاهل بطبيعة الإنسان.


"فالأفكار والسلوكيات لا تنتشر بين الناس عن طريق التفكير الواعي بل عن طريق العدوى".