الدّين واللّقاءات العرفيّةّ

blogs - يد زواج
في ظلّ ما يسمّى بالدين وصراع الحضارات وبعيدًا كلّ البعد عن غير المتديّنين وما يتبنّونه من أفكار ومظاهر جديدة لا تمتّ للإسلام بأيّ صفة، نجد أن هذا الصّراع صار وباء ينتشر بين كافّة فئات المجتمع حتّى وصل للفئة المتديّنة وحاشاه الدّين فيما يفعلون… هنا لن أشير إلى كلّ الظواهر الّتي سادت هذه الفئة بالذّات من المجتمع، فقط أريد الإشارة من خلال هذا المقال إلى "الموضة" الجديدة التي يتبنّونها وهي ما يسمّونها بـ"اللقاءات الشرعية" في حين وجب تسميتُها "لقاءات عرفيّة" لأنّها لا تملك في الدّين أيّ شرعيّة…

لابدّ أنّ أغلبكُم يتساءل عن ماهيّة هذه اللّقاءات… حسنًا، في مجتمعنَا بالذّات ولا أدري إن كانت هذه الظاهرة مستفحلة في كافّة المجتمعات العربيّة الإسلاميّة، تجد أنّ مجموعة من المتديّنين قد شرّعوا لأنفسهم ولمن حولهم في ظلّ موضوع الزّواج وقبل أن يتقدّم الشخص لخطبة فتاة ما مباشرة من أهلها، لقاءً يكون فيه الطّرفان (الخاطب والفتاة) ومعهما شخصان أو أكثر أحدهما من طرف الرّجل وآخر من طرف الفتاة… لابدّ أنّك تتساءل أين الحرام في هذا؟

حسنًا، الحرام يكمُن في كونهم أجازوا اللّقاء دون محرمٍ فيكفِي أن ترافِق الفتاة صديقتها ويتمّ اللّقاء وكذلك بالنسبة للرّجل. في حين ما وردَ عن الرّسول صلّ الله عليه وسلّم يخالف ذلكَ تمامًا والأمرُ واضحٌ جليّ في قوله "لا يخلونّ رجلٌ بإمرأة إلاّ ومعها ذو مُحرم" صحيح مسلم. أي لا يختلي الرّجل والمرأة مع بعضهم البعض بل وجب حضور أحد محارمها (كأبوها أو أخوها). حتّى أنّك تجدُهم يبيحون لأنفسهم بدلَ اللقاء الواحد عشر، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون فقط بعذر النقاش والرّاحة النفسيّة !! كفانا هراءً فلم يرد في الدّين (كتاب كان أو سنّة) ما يبيح ذلك، إنّما هي انتهاك واضح للشّرع، فحتّى لو كان اللّقاء بموافقة الوالد فهذا لا يعني أنّه جائز، فهل التدخين بعلم الوالد يجعل منه أمرًا مُباحًا.

من منّا لا يعلَم أنّ المتديّنين هم أكثر النّاس عرضةً للتلصّص والمراقبة من طرفِ من يبحثون لك عن ثغرة صغيرة ليطعنوك فيها، فلا يجب أن نفتحَ لهم هذا المجَال.

حقًا، لا أدري ما الضّرر إن تقدّم الرجل مباشرةً لبيتِ الفتاة لخطبتهَا؟ وإن أخذنا بعينِ الاعتبار الكبرياء الذي قد يملكه وتخوّفه من أن يقابل بالرّفض وإحراج العائلتين، فلا بأس أن يكون هناك وسيط بينهما ليعرف رأي الفتاة في الموضوع ويسمع منها شروطها وتسمع هي الأخرى شروطه وتطلّعاته في الحياة. فإن حدث واتفقا مبدئيًّا انتقلوا إلى الخطوة التّالية وهي خطبتها من أبيها.

ثمّ ما الضّمان أنّهما سيسيران على الشروط التي اتفقا عليها خلال هذا اللّقاء! ومن سيدافع للفتاة عما شرطته لاحقًا؟ إنّه أشبه بزواج عرفيّ شهد عليه صديقان، لا يحمي شيئًا من حقوق المرأة.

فلنتخيّل معًا أنّه تقدّم لخطبتي ما يصل إلى عشر رجال وفي كلّ مرة يتقدّم لي شخص نلتقي ونتناقش، وفي النّهاية لا يحصل نصيب، ثمّ يشيعُ بينَ من حولي أنّ فلانة قامت بحضور عشر لقاءات شرعيّة (كما يقال عنها) هذا إن افترضنا أني سأقابل كلّ شخص مرة واحدة فقط. حسنًا بالنّسبة لي هذه مواعدة غير مشروعة لا في الدّين ولا في السنّة فيها مساسٌ بشرف الفتاة وخدش لسمعتها، فعلى الأقلّ حضور محرمٍ سيحمي الفتاة من أيّ شبهة. ثمّ نحن لسنَا بأناسٍ عاديّين، فعلينَا أن نكون مثلاً يحتذى به، فإن صادف والتقت الفتاة بصديقة لها (عاديّة في دينها ترى فيك القدوة الحسنة) خلال هذا اللّقاء ماذا ستكون نظرتُها لها بعد ذلك؟ ثمّ لا يخفى على أحد أنّ في هذه المواقف فقط المرأة هي الضحيّة الوحيدة للمجتمع ولا أحد سواها.

ثمّ من منّا لا يعلَم أنّ المتديّنين هم أكثر النّاس عرضةً للتلصّص والمراقبة من طرفِ من يبحثون لك عن ثغرة صغيرة ليطعنوك فيها، فلا يجب أن نفتحَ لهم هذا المجَال… الأمر بسيط، لا تجعله معقدًا وتمضي حسب أهوائكَ فترتع في الدّين، وتقع في الشبهات… ترفّع عن الصغائر وادخل البيوت من أبوابهَا فما بنيَ على باطل فهو باطِل.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان