لقد تزوجت زوجها عبر كذبة كبرى اسمها العدسات اللاصقة، واليوم وقعت الطامة الكبرى، فقدت احدى العدستين وظهر لون العين الأصلي، وتريد الحصول على البديل بنفس اللون وبأقصى سرعة والعودة حالاً للبيت قبل مجيء الزوج المفتون لئلا يكتشف الأمر، هذا الموقف الطريف ذكرني ببيت أبي الطيب المتنبي الذي ما انفك معلم العربية يردده على مسامعنا في مرحلة الثانوية العامة :
حسن الحضارة مجلوب بتطرية وفي البداوة حسن غير مجلوب.
حللت أهلا يا نيسان،فيا لك من بوابة ربيع وإشراقة أمل ونظم بحتري:
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً من الحسن حتى كاد أن يتكلما
وقد نبه النورس في غلس الدجى أوائل وردكن بالأمس نوما
| كثير من المصائب في حاضرنا بفعل كذبة نيسان، حتى بعض وسائل الإعلام انساقت في ركاب موجة الكذب هذه، عبر تعمد بث كذبة ما، ثم سرعان ما تتراجع عنها بدعوى أنها مزحة من صنع شماعة الأخطاء كذبة نيسان. |
واليوم: كل ذلك الجمال تقتلونه بكذبة ابريل خاصتكم هذه، ترى من أين بدأ أصل الحكاية؟ تقليد أوروبي بدأ في فرنسا بعد السير على التقويم المعدل الذي جاء به شارل التاسع عام 1564، وفيه كان الاحتفال برأس السنة في الحادي والعشرين من آذار، وينتهي في الأول من نيسان وعندما أصبح رأس السنة مطلع يناير ظل صنف من الناس متمسكاً بماضيه في الاحتفال برأس السنة في الأول من ابريل وبالتالي أصبح اللقب الجديد ضحايا ابريل.
سرعان ما أصبحت عادة انتقلت لدول الجوار إلا أن بعض الباحثين يربط هذه الكذبة بعيد الهولي المعروف في الهند والبعض الآخر يرى أن انطلاقة هذا التقليد استهلت في القرون الوسطى كشفاعة للمجانين بإطلاق سراحهم والصلاة من أجلهم في عيد جمع المجانين وجاء تقليداً لعيد جمع القديسين وهو ليس يوماً وطنياً ولا قانونياً وقد اعتاد الناس فيه الكذب والخداع ولعله يلتقي في وصفه هذا بالاحتفالات التنكرية في بعض الأعياد .
تجمع كل العقائد والأديان بل حتى والأعراف على ذم الكذب والتنفير منه وتمجيد الصدق في التعامل الإنساني والمحزن حقاً أن غرس الكذب يبدأ في الطفولة المبكرة تحت مظلة نوع من الأسر الغافلة ومن بعدها بيئة مدرسية لا رقيب عليها ومجتمع فقد مؤشرات الإنسانية، وفي محاولة استكناه ماهية دوافع الكذب تؤشر البوصلة صوب الضعف الانساني بوصفه الدافع الأكبر، ومن بعده عقدة النقص والرغبة في تغيير الواقع.
كثير من المصائب في حاضرنا بفعل كذبة نيسان، حتى بعض وسائل الإعلام انساقت في ركاب موجة الكذب هذه، عبر تعمد بث كذبة ما، ثم سرعان ما تتراجع عنها بدعوى أنها مزحة من صنع شماعة الأخطاء كذبة نيسان.
أخي القارئ تأمل معي المشهد السياسي العربي الراهن بعيد منتصف آذار إذ طالب العراقيون بالكشف عن ملابسات مجزرة الموصل على يد طيران التحالف الدولي، في حين كشفت القيادة المركزية الأمريكية عبر بيانها أن القصف تم بناء على طلب من العراقيين ولنفس الموقع الذي حصلت فيه المجزرة والخلاصة نجد أنفسنا هنا إزاء كذبة نيسانية وبامتياز ومن كلا الطرفين.
في صراعاتنا نتذكر المذيعين ووزراء الإعلام الذين انساقوا مع تيار الإنشاء اللغوي الذي لا يسمن ولا يغني من جوع أمثال أحمد سعيد ومحمد سعيد الصحاف وهذا يذكرنا بشخصية سكويلر في رواية مزرعة الحيوان للروائي الإنجليزي جورج أورويل هذه الشخصية الدعائية المحترفة في تبرير الانكسارات وقلب الحقائق وخداع الجماهير في خلاصة إنه من الصحيح ومن الثابت أن الثورات تأكل أصحابها والثوار هم أول من ينقلب عليها ولا يغيب عن البال وزير الحرب الدعائي جوزيف جوبلز ضمن حكومة ألمانيا النازية بزعامة أدولف هتلر هذا الوزير صاحب نظرية البروباغندا السياسية وشعارها : " اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس، ثم اكذب حتى تصدق نفسك"
إن اكتشاف الكذب يستوجب اخضاع المتهم للمراقبة سواء عينه أم حركاته لمعرفة مدى صدقه، ولذا ظهر في البدايات الأولى من القرن الماضي جهاز البولي جراف لكشف الكذب على يد مخترعه جون أوجست لارسون عام 1921 وهو أداة تسجل الظواهر الفسيولوجية التي يظهرها جسم المتهم الخاضع للاستنطاق.
إن الإعلام صانع أكاذيب نيسان هو الذي يدجن الثوار ويرسخ في أذهان الناس أن الالتحاق بموسوعة أرقام جينيس للأرقام القياسية يرتقي بالدول وإن بذرة ذلك الإعلام تبدأ بصناعة الكذب لدى صغارنا في مواقعهم التعليمية حيث التمجيد وصناعة الهالة الزائفة والنفخ وثالثة الأثافي عبر التعليمات والإرشادات وبالتوازي مع ما سبق فإن أكاذيب الإنشاء الوصفي على شاكلة :" أصبحنا في مصاف الدول الكبرى " لا تصنع دولا.
عندما تغيب التشريعات أو عندما تكون قاصرة، تبدأ اللغة ومجازاتها واستعاراتها وكناياتها بصنع الهالة لتغطية النقص في التشريع، ولإيهام الآخرين بصناعة الأمجاد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

