شعار قسم مدونات

موتي.. لماذا تنتظرونه؟

blogs - burial

تُشير الساعة الآن إلى الثانية عشرة والنصف من مساء ثاني يوم لوفاة "جاسر" صاحب الخامسة والثلاثين عاماً، والذي وافته المنيّة في حادث سيرٍ بعد خروجه مباشرةً من عمله متوجهاً لبيته وأسرته التي كانت في انتظاره.

 

الجميع الآن يستعدّ ويتجهّز ليكون بكامل أناقته، حيث ارتدت السيدات الفساتين السوداء المطرّزة بحبات اللؤلؤ الأسود واضعاتٍ على رؤوسهن القبعات الملكية الشفّافة ليغطينّ بها وجوههنّ ويخفينّ تلك الدموع المذروفة على فقيدهنّ. بينما ارتدى الرجال بدلاتٍ سوداء اللون بربطات عنقِ متأنّقة، يكاد ينافسون فيها أناقة السيدات.

تتساءلون الآن إلى أين هم ذاهبون بكل تلك الأناقة الكاملة؟

نعم الإجابة هي التي خطرت ببالكم وفكرتكم بها هي إجابة صحيحة.

 

إنهم ذاهبون إلى حفل تأبين جاسر "وداع الميت" فالتأبين: حفلٌ يقام لتخليد ذكرى من رحل عن الحياة وفارقها، يجتمع فيه الأقارب والأصدقاء والأحباب على المستوى الشخصيّ ليلقي كلاً منهم كلمةً أو خطاباً يحتوي على كلماتٍ تصفُ محاسن الفقيد وأعماله الصالحة التي قام بها في حياته، وذكر صفاته الطيبة وحسن معاملته للجميع ومواقفه النبيلة التي لا تُنسى.

 

هناك بالتأكيد من تكرّموا وهم أحياء وكانوا بالفعل يستحقون ذلك التكريم. لكن الأغلبية المؤثرة والفاعلة لم تكرم إلا بعد رحيلها. أصبح للتكريم مبدأ معترفٌ به على مستوى الدول والمنظمات العالمية ومن أهم الجوائز التي تم تشريعها "جائزة نوبل" لتكريم المبدعين والعلماء كل في مجاله

ويتنافسون في وصف مدى خسارتهم الكبرى، وفقدهم لمثل هذه الشخصية الإنسانية والتي لن تكرر على مرّ الزمان. أما على المستوى العمليّ فها هي السيدة" جنان" أرملة الفقيد "جاسر" تتلقى بطاقة دعوتها لحضور حفل التأبين الذي نظّمته إدارة الشركة التي كان يعمل بها زوجها "الفقيد".

 

الدموع الحارقة هي من صاحبت الأرملة الشابّة وهي متجه إلى الحفل لتستعيدُ أمامَ عينيها شريطاً من الذكريات؛ ترى ذلك البطل المكافح والحريص على إتمام كافة المسؤوليات والواجبات تجاه عمله، مٌقصَراً في كثيرٍ من الأوقاتِ في حق أسرته.

 

وها هو طاقم العمل يترأسهم قيادات الشركة، مجتمعين في بَهوْ الفندق الذي تم تجميله بأحلى وأغلى أنواع الزهور البيضاء، لتكريم زميلهم الراحل، ومعبّرين عن مدى إخلاصه واجتهاداته وانجازاته التي ساهمت بشكلٍ كبير في الرقيَ بمستوى العمل لأعوامٍ عديدة.

 

وجاء الآن دور الأرملة التي تم دعوتها لاستلام درعٍ تذكاريّ للفقيد، وبصعودها إلى المسرح وقفت بكلِ شموخ دون أن تظهر على ملامح وجهها أي من علامات الحزن أو القلق؛ الأمر الذي أبهر الجميع، فظنوا بأنها امرأة قوية متماسكة متقبلة هذا الموقف العصيب، وها هي تزيل كل تلك الشكوك بهذه الكلمات:

هل يستحق "جاسر" التكريم بهذه الطريقة؟ هل يستحق أن يكرّم بعد وفاته؟

 

أين أنتم عندما كان على قيد الحياة؟ أين أنتم عندما كان يترك أولادي وأتولاهم أنا بمفردي، ليسهر ساعاتٍ إضافيةٍ طويلة في عمله بغية إنجاز مهامه على أكمل وجه وبأجر غير محسوب، وكان كل ما يتمناه منكم فقط كلمة "شكراً لك".

 

عشنا ساعاتٍ طويلة بمفردنا نحتضنُ بيتنا، وحيدين دونه ننتظر عودته من عمله الذي أصبحً "زوجته الثانية" وبتنا في المرتبة الأخيرة.

ختمت جنان كلمتها بعد رفضها استلام الدرع التذكاريّ بقولها" أكرموا أحياءكم فلم يعد أمواتكم بحاجةٍ لكم".

لماذا لا نزال ننهج هذا النهج ولا نقدّر قيمة الإنسان الحقيقة إلا بعد رحيله عن هذه الحياة؟

 

فما أن يُعلن عن خبر وفاة شخص ما إلا وانهالت الاحتفالات الخاصة لتكريمه وسرد كل إيجابيات وأعماله وبطولاته التي لم تظهر لنا وهو على قيد الحياة.

 

فهل ثقافة التكريم السائدة مشروطة "بالموتِ والرحيل"، بالطبع لا يوجد أي اعتراض على فكرة تكريم من رحل عن الحياة ولكنّ الأصل في ذلك هو تكريمه أثناء حياته لا بعد مماته.

 

فهناك بالتأكيد من تكرّموا وهم أحياء وكانوا بالفعل يستحقون ذلك التكريم. لكن الأغلبية المؤثرة والفاعلة لم تكرم إلا بعد رحيلها.

 

أصبح للتكريم مبدأ معترفٌ به على مستوى الدول والمنظمات العالمية ومن أهم الجوائز التي تم تشريعها "جائزة نوبل" لتكريم المبدعين والعلماء كل في مجاله.

 

أن تكرّم شخصاً على إنجازٍ مميّز قام به ما هو إلا زيادة في تعزيز ثقته بنفسه وتشجيعه على بذل المزيد من العطاء.

 

"أكرموا من تحبّون وهم على قيد الحياة.. ولا تجعلوا منهم أحياءً على قيد الممات".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.