ثقافة أم استثقاف ظاهرة بدأت تتعاظم

blogs - العمل على كمبيوتر
المثقف والثقافة لغةً مشتقان من مادة ثقف والتي تدل على الحذق وسرعة الفهم والفطنة والذكاء وسرعة التعلُّم وتسوية المعوجِّ من الأشياء والظفَر بالشيء، قال تعالى (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ)… قال الفيروز أبادي ثَقَفه أي صادفه أو أخذه أو ظفر به أو أدركه. والمثقف في المفهوم الاصطلاحي ناقدٌ اجتماعيٌّ همُّه أن يحدِّد ويحلِّل ويعمل من خلال ذلك على المساهمة في تجاوز العوائق التي تقف أمام بلوغ نظام اجتماعي أفضل، نظامٍ أكثر إنسانية وأكثر عقلانية كما أنه الممثِّل لقوَّةٍ محرِّكةٍ اجتماعيًّا يمتلك من خلالها القدرةَ على تطوير المجتمع من خلال تطوير أفكار هذا المجتمع ومفاهيمه الضرورية.
والمثقف يملك قدرًا من الثقافة التي تؤهله لقدرٍ من النظرة الشمولية وقدرٍ من الالتزام الفكري والسياسي تجاه مجتمعه وهو مبدع كل يوم يستطيع بهذا الإبداع الثقافي أن يفصل بين تهذيبات القول وتجليات الفكر بين الثقافة وعدم الثقافة بين التحضر والتطور، والمثقفُ نوعان: موسوعي وهو الملمُّ بأكثر من مجالٍ ثقافيٍّ… وتخصصي وهو المتخصص في أحد العلوم الإنسانية كالأدب والسياسة مثلاً… ونوع ثالث ظهر حديثا أسميه أنا بالبوقي الذي لا يكل ولا يمل في ترديد أقوال غيره واعتبار الثقافة الغربية هي النموذج الحقيقي للثقافة.

الثقافة مسؤولية والتزام تكوين فكري ووضوح منهجي انتصار للفكرة في أبعادها الإنسانية والكونية، لهذا ينتصر المثقف عادة للموضوعية على حساب الذاتية.. إذا ما أردنا تصنيف المثقفين عبر مواقع التواصل الاجتماعي فسوف نصطدم بالواقع الذي وصلت له هذه المواقع فلا نستطيع الحكم على المغردين والكاتبين والناصحين والموجهين عبر تلك الصفحات بالمثقفين لا سيما أن شريحة كبيرة من المثقفين لا يرتادون تلك المواقع.

ما يقلقني إزاء هؤلاء هو كم الترهات والتزوير المنمق بكلمات توحي لمطبليهم من مريديهم الذين يعانون فراغا عاطفيا وثقافيا وفكريا يملؤونه بتلك الترهات توحي لهم بأن صاحبهم ذاك على قدر من الثقافة والعلم والإنسانية.

أسهل شيء يمكن فعله هو أن تدعي وأن تتقول وتتمنطق وتأخذ الكلام من هذا وذاك وتصبح بنظر المغفلين مثقفا، وكما تعلمون والكل يعلم القانون لا يحمي المغفلين، أعني قانون المغفلين الذين يحسبون الثقافة بالملبس وشراء الكتب وخزنها ومحاولة هؤلاء الناجحه هو بإعطأء مصطلحات يتحير بها المغفل وبعدها يزداد استغفالا بأن صاحب المصطلح لا يمكن الكلام معه، أما المثقف الحقيقي هو السهل في الطرح المنبسط في الحوار الشارح للمعنى المحب للعطاء والانكشاف لا يبخل في المعلومة، والمثقف في أصله بشر يريد أن يصل لدرجة عالية من الفهم والتحليل وليس إلها منزها في طبعه.
 

إن الثقافة تعني العادة والأسلوب بغض النظر عن كونها عادة جيدة أم سيئة، لكن المشهور بين الجمهور والأوساط الثقافية أن الثقافة تعني المعلومة، ومعناها وأصالتها، لكن هي الأخرى لم تسلم من التحريف وسرقت بداهتها فأصبحت مطاطة أكثر. 
فقل لمن يدعي العلم فلسفة… حفظت أشياء وغابت عنك أشياء، بين اللحظة والأخرى ونحن نطالع صفحات ذلك العالم الافتراضي الذي سمي تواصلا اجتماعيا وقد أسميه في أحيان كثيرا انفصاما أخلاقيا أو نفاقا ثقافيا أو قولبة فراغية، نرى أشخاصا هم في مجملهم أمعات ونسخ عن بعضهم وغيرهم يكتبون كلمات ثقيلة الوزن مطاطية المعنى ثائرين على كل شيء في مجتمعهم وفي دينهم، ممجدين لكل ما هو غربي باعتباره نموذجا حداثيا حتى وإن كان رجعيا نبذ بين بني جلدتهم منذ قرون.
 
كثيرا ما نصادفهم في كتاباتهم التي قد يذيلونها بمحبتي، مودتي، حتى تظن أنك تعيش في مجتمع ملائكي وليس أولئك الأشخاص أنفسهم يمثلون الواقع الذي ينقدونه، بل في كثير من الأحيان يبدو التحايل والتثاقف جليا في نقاشك معهم أو في بعض تعليقاتهم. 

ما يقلقني إزاء هؤلاء هو كم الترهات والتزوير المنمق بكلمات توحي لمطبليهم من مريديهم الذين يعانون فراغا عاطفيا وثقافيا وفكريا يملؤونه بتلك الترهات توحي لهم بأن صاحبهم ذاك على قدر من الثقافة والعلم والإنسانية، وكذلك تحايلهم وتطاولهم على المثقفين الحقيقين وتلبيس الحقائق وتلفيق التهم للتاريخ والدين والعادات والثقافات. والأعجب من ذلك أن ذلك المتثاقف يذهب بعيدا في أوهام خياله ويصدق نفسه بأنه أصبح أحد أساطين الفكر وسادة الأدب ليكتب الغثاء كما ومتى وكيفما يشاء.

دعوة للتحاور: هل هذه ظاهرة واضحة بدأت تسود تستحق الوقوف والنظر، أم حالات قليلة وكيف لنا أن نزيلها ونطمس فاعليتها لصيانة مجتمعاتنا إن كانت قد سادت، وهل يمكن تعرية هؤلاء المتثاقفين وكشف زيغهم أم استحال ذلك، وهل في هؤلاء خطر على مريديهم فقط أم على أنفسهم والمثقفين وثقافة بلداننا وشعوبنا بالمجمل.