قابلت صديق قديم بالصدفة منذ أسابيع. بعد السلام والتحية ومعرفة الأحوال، جلسنا معا نستعيد ذكرياتنا القديمة وأيام الدراسة في أحد مقاهي القاهرة العتيقة، قهوة بلدي بالمعنى المباشر، يقطنها سكان مصر الأصليين، تستنشق بمجرد دخولك رائحة المعسل الصعيدي، وتسمع دقات قطع الدومينو وكأنها زخات مطر تسقط على أرض جرداء. وبالطبع لأنني مدمن كرة كما يقول المقربين مني، فإنني طلبت قبل الجلوس تشغيل قنوات بيين سبورت، الجزيرة الرياضية كما يصر القهوجي على نطقها بالمسمى القديم دون إبداء أسبابه الخاصة.
وقبل أن يلبي طلبي، بادرني أحد الجلوس بالسؤال، "هو فريق رمضان صبحي هيلعب؟"، فجاوبت بالنفي وقلت أنها مجرد مباراة أوروبية للتسلية أثناء الدردشة. كانت إجابتي دبلوماسية في المقام الأول، لأنني أردت فعلا مشاهدة مباراة معينة، كان لقاء صديقي القديم سيمنعني منها، ولم أحب الاعتراف بأنني من مهاويس فريق لاس بالماس الإسباني، حتى أتجنت القيل والقال وأهرب من علامات الاستنكار المتوقعة من باب لماذا تحب هؤلاء المغمورين!
| ميسا هو عادل إمام في فيلم الحريف، كابتن فارس الواثق من نفسه لدرجة الغرور في بعض الأوقات، يتعامل كالوجهاء لكنه على ارتباط وثيق بالبسطاء، ينظر إلى المهنة وكأنها هواية يلجأ إليها فقط عند الحاجة أو الملل |
بدأت المباراة، تجاذبنا أطراف الحديث داخل الرقعة الضيقة، كل من في المكان يسمع الآخر، لكن لا أحد يركز حتى لا يرهق باله بالتفكير. فقط اتفق الجميع على شيء واحد فقط، لقد كان ذلك الضيف -أنا- على حق، هذا الفريق الكناري يلعب كرة جميلة، ممتعة، جذابة، تخطف القلوب قبل العقول دون أن تعرف من هم. وأثناء استمتاعي بتناول حكايات الماضي مع رفيقي، التقطت أذني حديث جارنا العجوز لزميله في المقهى، الواد أبو شنب ده لعيب أوي، ده ولا أساطير الكورة الشراب بتوع زمان في حواري مصر القديمة!
لقد كان يقصد روكي ميسا كيفيدو، ارتكاز بالماس رقم 15، القصير المكير الذي يحتفظ بالكرة وقت ما يريد. يخطف ميسا الأضواء من الجميع داخل الملعب، بطريقة استدارته ودورانه وتلاعبه بمنافسيه دون خوف أو تردد. تشعر وأنت تشاهده وكأنك في حضرة لاعب الشارع القديم الذي كنت تنتظره وتنتقل ورائه من ملعب إلى آخر، وتلهث خلفه في كل دورة رمضانية، لتجري داخل الملعب الترابي، وتحتضه بعد تسجيله الأهداف.
تكتيكيا، روكي هو المنظم أو قائد الأوركسترا في التكتيك. ارتكاز "هولدينغ" يلعب أمام خط دفاعه، يقوم بقطع الكرات وكسر هجمات الخصم، مع قدرة على البناء من الخلف، وتوزيع الكرات إلى زملائه بالوسط والهجوم. يعرف بالريجستا المتحرك وفق أعراف الكرة الحديثة، لأنه لا يكتفي بالتمرير والصناعة، بل يبادر بالمغامرة ويقوم بمراوغة لاعبي المنافس بثقة يُحسد عليها داخل الأماكن الخطيرة من المستطيل.
فريق المدرب كيكي سيتين من المجموعات النادرة التي تستخدم اللعب التموضعي القائم على التمركز بين خطوط المنافس. يتكون هذا الأسلوب في الأساس من خلق التفوق بداية من خط الدفاع ضد الفرق التي تضغط. كل شيء سيكون سهل إذا كان التقدم من الخط الاول بالبناء سليم، هكذا يقول سيتين وينفذ ميسا داخل الملعب، حيث أنه مسؤولا عن الهروب من مصيدة الضغط ضد الكبار، وإطلاق إشارة اللعب الهجومي تجاه نصف الملعب المقابل.
بعيدا عن ملامح وجهه التي تجعله قادم من حقبة السبعينات بالقرن العشرين، فإن المتابع الجيد لطريقة لعب روكي منذ فترة طويلة، سيشعر بحالة تمرد واضحة تظهر في كافة تفاصيل تعامله مع المباريات. ميسا لا يهاب أحد، ولا يعمل حساب لأي لاعب حتى وإن كان هذا اللاعب إنيستا على سبيل المثال. يُصر على الاحتفاظ بالكرة والمراوغة والتمرير غير المتوقع، ويهدف دائما إلى لعب الكرة الصعبة التي تندرج تحت بند المخاطرة.
يعتقد البعض أن قوة هذا اللاعب أثناء امتلاكه الكرة فقط، لكنه أفضل من ذلك بمراحل، لأنه يقف بشكل سليم من دونها، ويغلق زوايا التمرير أمام حاملها من لاعبي الخصم، ليجبره على الاختراق أو محاول إيجاد طريقة بديلة للهجوم. ميسا أيضا مميز في الكرات الطولية، حيث أن لاس بالماس يركز على جعل خصومه يركزون في جانب واحد بالملعب، ومن ثم يقلب ارتكازه الدفة إلى الجانب المقابل، بحثا عن اللاعب الثالث الحر على الخط، ومن أجل ذلك، يقوم روكي بلعب الكرة الطولية.
| إذا لم يصعد الكناري لدوري الأضواء والشهرة، لظل ميسا يتألق فقط بين الحرافيش، ولن يفرق هذا الأمر معه في شيء، لكن القدر كان رحيما بنا كجمهور حتى نشاهد هذه الموهبة الفذ عن قرب كل أسبوع |
ميسا هو عادل إمام في فيلم الحريف، كابتن فارس الواثق من نفسه لدرجة الغرور في بعض الأوقات، يتعامل كالوجهاء لكنه على ارتباط وثيق بالبسطاء، ينظر إلى المهنة وكأنها هواية يلجأ إليها فقط عند الحاجة أو الملل. هكذا كانت شخصية بطل محمد خان، وهكذا أيضا يتعامل روكي مع الأجواء الإسبانية، إذ أنه يلعب مثل أعظم النجوم في القارة العجوز، لكنه في النهاية عاش معظم مسيرته في فرق الدرجة الثانية، وصعد فقط للأضواء مع لاس بالماس، رغم أنه لم يفكر من الأساس في هذه الخطوة.
إذا لم يصعد الكناري لدوري الأضواء والشهرة، لظل ميسا يتألق فقط بين الحرافيش، ولن يفرق هذا الأمر معه في شيء، لكن القدر كان رحيما بنا كجمهور حتى نشاهد هذه الموهبة الفذ عن قرب كل أسبوع، ونستمتع بطريقة تحكمه في نسق المباريات، بالبطء أو السرعة متى أراد. وتبقى الفانتازيا حاضرة في هذه اللعبة، حيث خرجت حملة جماهيرية عبرت تويتر تطالب إدارة برشلونة بالتعاقد مع هذا اللاعب في الصيف المقبل، بسبب توافقه مع أبجديات التمركز التي ينتهجها هذا النادي.
برشلونة لن يلجأ لهذه الخطوة في أغلب التوقات، لكن وإن حدثت فإننا أيضا سنكون أمام مشهد الختام في فيلم الحريف، حيث وقف البطل أمام مصيرين، الاستمرار على مزاجيته ولعب كرة الشوارع، أو ترك عالمه الخاص للالتفات إلى أسرته وطفله والتحول إلى موظف يعمل من أجل المال داخل منظومة المجتمع مثل غيره.
في النهاية على روكي ميسا الاختيار إن اتصل به بارتوميو، إما البقاء في كوكب الحريفة الهواة، أو الانتقال إلى عالم الشهرة والاحتراف، ليقول كلمته المنتظرة، زمن اللعب راح يا بكر، عفوا يا سيتين!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

