من الغوطة إلى الدوحة، مفارقات صور فتية

blogs - سمارة
انتصرت الصورة ولم يزهق الألم
زادي في التعبير قليل، أضعف الجرح قلمي
ثمانية وعشرون حرفًا أبجديًا كيف أطلق دونهما نصًا حين يكون تأوهي سدرًا وسيعًا؟

في لججنا صور لا حصر لها نجت وحدها

من الأجدى؟ امرأة بالحزن ولهى أم صورة طمحت فخلدت؟ أو كلتاهما لا تفيد ولا تريم؟

عندنا المرأة لا رثاء لها، ولا بطاقات زفاف باسمها، الصورة دونها مستلقية هانئة

على كل حال.. لا كاتبة ولا قائلة لهذا النص، تاه الاسم والوطن ونكّرت الغربة الصورة

من يرغب الآن أن يقرأ نصًا صاحبته كسيحة الأفكار كسيرة القوافي مكسورة الخاطر، تبدو زولة في بيداء بعيدة، بالعامية.. مندثرة أو زائلة
 

تبكي المرأة فلا سامعين لها

بعدسة واسعة من أعلى البروج تظهر لي دمشق كاملة على الخارطة من عام 2009، وهي تبدو البسيطة الخاشعة وإن تقدم عمرانها، القاطفة من الحداثة زنانيرًا تؤنق جذعها، لا المغيرة خلق الله، مبقية على ثوبها الشامي العتيق

تبكي الصورة فتحيا كشجرة نبق، تخلق هدفًا من جديد

أنا أصور.. أنا عايشة

وأنتم؟

أتؤثرون الصورة وأنتم لجميل أصحابها ناكرون؟

عاشت الكاميرا ولما أحيا، اتركوني الآن ميتة

لأحيا..
 

بعد عام، ظهرت الصورة من جديد، لا سليمان أخي مصورها ولا فداء (رحمهما الله) ولا أنا بطلة القصة

أتلوّى بألقاب تلتصق باسمي وأنا أعجب لها

من بلاد صرت أقفل كل سرد فيها، حتى صار التفوه باسمها عبئا ثقيلًا
سمارة القوتلي" الجزيرة "آستانا" كازاخستان
سمارة القوتلي " الجزيرة " سوق واقف الدوحة

كلا الجملتين باكية كلاها محكومة بالوجد

فأين اسم دمشق يا شفة كانت عامرة بوجه الموت بوجه البرد؟

برد آستانا.. أو رجفةٌ بالماضي تربطني لأذكر دخنة الحطب كلما بالتقرير بدأت أو نهيت؟

ومنه إلى شبه جزيرة بنيت على خليج من البحر، ما وصلتها حتى فنيت.

برحلة عرضها في ذاكرتي كعرض السماوات والأرض، لمدينة أتيتها سائحة أحطّ بها في الشتاء تارة وأحطّ في الصيف بغيرها، مالي مدينة ولا عرين
 

هنا.. ضممت المدينة وقنعتها، مثل ما قنعت صراخي الآتي من آخر الدنيا

مدينة حقّ لها لقب السماء ذات البروج في عينيّ، منارتها لا تختفي، وأمانها لا يقال.. في الحواس يدرك

بعدسة واسعة من أعلى البروج تظهر لي دمشق كاملة على الخارطة من عام 2009، وهي تبدو البسيطة الخاشعة وإن تقدم عمرانها، القاطفة من الحداثة زنانيرًا تؤنق جذعها، لا المغيرة خلق الله، مبقية على ثوبها الشامي العتيق ورغمه كانت حاضرة

أغير العدسة وأنتقل ب "زوم" يتقدم إلى يومنا هذا.. 2017

لا أرى إلا قيدًا يخنقني في صباي، وزهورًا تذبل أمام بيتنا، وصورًا هشة هيهات أن تتسع لها مباسمنا

وجملة اعتراضية أكتبها بدمعة سقطت هنا من ريح جنة سبقوا إليها وبقينا نشاهد قبورهم مصورة لكأننا رضينا القعود

وليت قلوبنا ترضاه حتى ترتاح بعيشها

إني كلما أقررته ابيضت أمامي أيادي الغائبين مرفوعة بقسم يوم تعاهدنا ألا نبتغي سوى رفع الظلم مرادًا أو نهلك دونه

وفجأة سقط حامل الكاميرا، وغابت عن عيني دمشق

ليتني أحفر في المنفى كوة تظهر لي ظلم الغاصبين على أبي، ليرى الناس أسباب تعذيبي
لئلا أبقى في الظلمة وحدي

لئلا يسألني المصور ماذا تفعلين.. أو هكذا تلتقط الصور؟ أختي لماذا اخترعوا مهنة المصور إن كنت تريدين فعل كل شيء"

" إليك عني" قلت في ذهني.."أو ليس أحق بصوري صاحب الشجن؟ "

بين صورة تبحث عن زهرة بين الدخان، وصورة تلتقط فيها الأزهار بسلاسة بين صورة توثق صراخ المخنوقين بغاز سام، وكثر ما طاف بي الحنين، سوف أذكر نعمة الحرية حتى لا أزهد في الوجود لكن مسامي ينتفض عند صوت كل صورة تربطه بالدار ذكرى

هكذا الجرح لا يترك لك صاحبًا ما ذاق حشرجة في حشاك
 

كنت قد هممتُ بالكاميرا في جولة لإعداد تقريري الأول في سوق واقف

وبنيتي ألا أصوب كلام نقد لصور خالد الشيخ… المصور الذي رافقني خلال التدريب

لكل صورة يختار لها هزة بضلوعه لا ينهيها حتى يتكتل العرق باديًا كالمطر على وجهه، ويهدي صوره لكل مقهور

لكن.. لو أنبت بعرقه زهرًا لن يساوي قطعة دمع واحدة تسيل من جفن "هادي" دمعًا وعرقًا وحصارًا وموتًا على قفاف الحقول المدمرة في غوطة دمشق، بكاميرته الصغيرة التي ما كانت ترقى لتملأ شاشة الجزيرة ذات يوم، سكنت وتختّرت في كل بيت، فكيف أتحدث للكاميرات الساكنة
 

لا أعرف مسلكًا بعيدًا عن صور النحيب لا زلت أقارن الصور بالصور

بين صورة تبحث عن زهرة بين الدخان، وصورة تلتقط فيها الأزهار بسلاسة

بين صورة توثق صراخ المخنوقين بغاز سام، وصورة تلتقط صراخ عاملين في متجر

وكثر ما طاف بي الحنين، سوف أذكر نعمة الحرية حتى لا أزهد في الوجود

لكن مسامي ينتفض عند صوت كل صورة تربطه بالدار ذكرى.

عندي الصور محرقة، وحرقة يدق منها جفني بجفني، ورجفة عند كل مخاطبة تفصل شفتي عن شفتي

قلت وربي ما بعثني الله هنا لأشقى!

أرخيتُ وساوسي عني لكنني عند الصباح الأول أجبت " أنا فلانة، موفدة الغوطة في الدوحة"

قلتها.. رغم كل الفتاوى التي رجمتني بحكم إتياني الجزيرة، عمت السائل ابتسامة وأنا غريقة بلعابي
 

دخلت الدوحة مؤمنة آمنة، أدرك نعمة ربي، وربي كيف أهنأ ودوحتنا بها الدم سائلًا على كل طريق؟

كأن قراراتي مالها من قرار، أبكي مجددًا على طرقات يحفر لي الكيد فيها، وفيها فلان ينقَل لي موجز اجتماع قائدهم بعد صلاة الجمعة أمام أعتاب مسجد في دوما في الحادي عشر من حزيران يونيو 2015

قال أدبوها أو اقتلوها.. تخل الصور لكم وتكونوا على الشاشات جندًا صالحين، قال آخر.. إن هي إلا نجس، لا تنغمسوا بدمها، ضيقوا عليها أرضها، حتى تلقي بنفسها وأهلها في غيابات الصحاري تركض هربًا وتلقي بنفسها للتهلكة أو تفنى على طرقات الموت دون أن نتَهم بامرأتين وطفلة بعد حين"

وأنا بعد الحرب.. لا ذكور عندي، الوحيدة لا اصطلاحًا 

أهلكت نفسي وفق رغبتهم لكنني الحمد لله لم أمت، وصلت وعشت.. لأجهر بما كنت أحبسه

نحن لا نلقي بأنفسنا للتهلكة فداء أي شاشة في العالم، نموت لأنها تحمل نفس الهم والرسالة، لأنها أتاحت لنا عرض صور موتنا أمام أعين العالم الأصم

إذا توقفت الصور أسبوعًا واحدًا هل المأساة تنتهي؟ ستنتهي أصواتنا فقط، الأهل في الغربة سينسون أهلهم

أقترح أن نموت علنًا، مثل ما نفعل في العادة

إن امتلأت أرضنا أشلاء فلنملأ على قدرها صورًا، العدسة رغم مآسيها تتلقف أمانينا وإن أسررناها، تمدد يدها بسببٍ إلى السماء.. هي مثل حمَلتها، وإن لم تنطق قد تتيح لنا من يدعو ويتمنى لنا

لعل أمنية خالصة تزحزح اليأس عن البلد البعيد