"كنا.. وما أجمل ما كنا".. في نقد الفكر الليبرالي

blogs - كاميرا قديمة
على صفحات إحدى مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تعنى بشؤون المبدعين الفلسطينيين، لفت انتباهي منشور مشفوعاً بصورة باهية تحت عنوان: "كنا، وما أجما ما كنا…"؛ عنوان يعطي الانطباع الفوري بدفقة من الحنين للماضي، أو فلنقل النوستالجيا، والتي لا شك ساورت كل منا في الوقت الراهن، كنزعةٍ للانعتاق من الفوضى الحالية والتأخر الفكري والأخلاقي الذي نعيشه في وقتنا الحالي.

تحت ذلك العنوان، وقعت عيني على صورة بالأبيض والأسود، وما بينهما، لفتياتٍ منكبّاتٍ على أوراق امتحاناتهن، من حقبة الأربعينيات أو الخمسينيات من القرن الماضي، جلست كل فتاة وحدها على مقعدها بانتظام وعلى التوازي، بما يمنح شعوراً بالانضباط والالتزام. قمت، بعد تأمل قصير للصورة، بضغطٍ واثقٍ على زر "أعجبني"، إيماناً واعتقاداً -ساذجاً- مني برسالة المنشور التي تحض على النظام والعلم والمساواة بين الجنسين في حق التعليم، والتي سادت في دولتي فلسطين، يوماً ما، ومنذ سنوات طويلة.

بعد عدة من أيام أُخَر، ظهر منشور آخر تحت ذات العنوان: "كنا، وما أجمل ما كنا"، ظهر في الصورة هذه المرة، مجموعة من الفتيات يرتدين لباساً فلسطينياً تراثياً. وما هي إلا بضعة أيام، وبعدما راق للمشرفين على الصفحة -على ما يبدو- كثرة الإعجابات، حتى نشرت الصفحة صورة ثالثة، تحت نفس الترويسة، يظهر في الصورة هذه المرة، مجموعة فتيات جامعيات، يقفن إلى جانب ملك الأردن الراحل، الحسن بن طلال، مرتديات ملابس أقرب منها إلى الرسمية إلى الاعتيادية: فساتين ضيقة الخصر، عديمة الأكمام، قصيرة الطول "ميني جوب" تكشف إلى ما فوق الركبة بقليلٍ أو كثير.

سقط بعض المنتمين إلى التيارات الليبرالية أو اليسارية، من العرب والعجم، من اعتبارنا، وكشفوا عن قبيح وجهٍ، سعوا جاهدين على مدى سنوات طوال إلى ستره بأقنعة من شعارات الحريات والمساواة وحقوق الإنسان.

لم تمر عليّ الصورة الأخيرة مرور سابقاتها، كوني لمست أن ثمة رسالة بين السطور، يسعى القائمون على الصفحة، وهم ينتمون -كما يعرّفون أنفسهم- إلى طبقة المثقفين والمبدعين الفلسطينيين؛ رسالة، ما كان للمرء أن يغفلها في زحمة المخاضات التي عصفت بمنطقتنا، في ظل تجاذبات واستقطابات حادة بين عدة تيارات فكرية وسياسية.

لقد استشعرت -ببساطة- أن القائمين على الصفحة يبتغون تمرير رسالة مفادها، أن الجمال "الذي كنا عليه" هو جمال فتيات "متحررات متنورات"، لا ترتدين غطاءً للرأس، ولا يلتزمن بما درجت عليه النساء -على الأقل في تلك الفترة- من ارتداء ثيابٍ تتماشى مع الحشمة، عموماً، أو الشرع الإسلامي، خصوصاً، بما يرسخ صورة ذهنية مغلوطة للجمال الحقيقي.

بدا لي -عندئذٍ- أن تلك الرسالة لم تخرج عن إطار التجاذبات السابق ذكرها، وما هي إلا فصل من فصول ضيق الأفق ومحدودية التفكير، اللذان وسما مؤخراً من يدعون انتماءهم لتيارات فكرية ليبرالية أو يسارية من العرب، أو من غيرهم من الأمم.

لم أكتف هذه المرة بموقف المتابع، فقد قمت بوضع تعليق فحواه: أننا كنّا، نعم، وما أجمل ما كنّا، نعم؛ لأننا، ومنذ فترة ليست بالقليلة، يحق لنا أن نفخر أن بناتنا اقتنصن فرص التعلم، ولأننا اتسمنا -ذكوراً وإناثاً بالنظام والرقي بخلاف واقعنا، ولأن مدارسنا كانت منارات عُقدت تحت لوائها الامتحانات ومُنحت الشهادات. لقد كانت رسالتي للمعنيين على الصفحة، أنني رأيت الجمال الحقيقي في هاتيك الصور، لا الجمال الذي تعنون! ولقد تعمدت إضفاء لمسةٍ من تهكم خبيث، أن جمالنا غير مرهون بشكل أو لباس أو انتماء أو دين، بل بمضمون وفكر. وأنْ إياكم أن تنجرفوا لتلك النزعة (الترند) المنتشرة اليوم في الشرق و الغرب سواء بسواء، الساعية إلى تجريم و تسفيه لباس بعينه، كون ينتمي إلى ثقافة وديانة معينة، في إطار ما يسمى حرباً ساذجةً على ما يسمونه الإرهاب الإسلامي.
تجاهلت الصفحة تعليقي، واكتفت بعدم الرد، رغم حصده لبعض "اللايكات" من أناس -ربّما- فهموا رسالتي من ورائه.

وكان رد الصفحة بعد ذلك أن أصرّت على صور أخريات تحت ذات الوسم، القاسم المشترك الأعظم بينها: فتياتٌ حاسرات الرأس جميعاً، ارتدت بعضهن ثياباً، لا يمكن بأي حال من الأحوال، اعتبارها طبيعية لتلك الفترة الزمنية؛ حيث إنه من غير المعقول أن لا يتصادف في كل هاتيك الصور وجود أية فتاةٍ محجبةٍ مثلاً، علماً أن غطاء الرأس كان منتشراً في تلك الفترة التاريخية بنسب تفوق النصف، وربما أكثر؛ ما يؤكد على أي "جمال" كان من وراء القصد.

أخذ الكل بجريرة البعض جريمة، ننكرها على القاصي والداني، خاصة وأن أشد من عانى من هذا التجريم هم نحن كمسلمين، والذين يصرّ العالم بأجمعه اليوم على معاقبتهم على أفعالٍ ارتكبها، من ينتمون زوراً لهم.

بدت آنذاك رسالة الصفحة واضحةً جلية، ومتسقة مع السياق السابق ذكره، من تجريم أفكار ومعتقدات دينية بعينها. كما ظهرت تعليقات من "مؤيدين" للمنشور ورسالته الخبيثة، تحمل في طياتها أحكاماً مسبقة وتصنيفات منتنة، تجاوزت المضمون إلى الشكل، والجوهر إلى المنظر، ما كان لأشد الداعشيين أن يكتبها بمثل ذلك الصلف.

لقد سقط بعض المنتمين إلى التيارات الليبرالية أو اليسارية، من العرب والعجم، من اعتبارنا، وكشفوا عن قبيح وجهٍ، سعوا جاهدين على مدى سنوات طوال إلى ستره بأقنعة من شعارات الحريات والمساواة وحقوق الإنسان: فأين هو حق المرأة في ارتداء ما تريد؟ وهل اقتصر مفهوم التحرر والتقدم والجمال على القشور، أم أن على النظرة الجمالية أن تنظر القلوب والأفكار، وتخرج من محدودية الشكل والقالب؟

أو ليس من أشد مآخذ حركات التحرر والتنور على المتطرفين من المتدينين، أنهم حرموا المرأة من حقوقها، الشرعية أصلاً، بحجج واهية؟ أو لم يتهم هؤلاء أولئك بمحدودية الفكر، والغباء والتخلف، وبأنهم مأطرون ضمن قوالب فكرية جامدة، لا تقبل التغيّر ولا التغيير؟ أو ليس من أشد العار أن تنهى عن خلقٍ، وتأتي بمثله؟
قد يكون من الإجحاف أن نسقط أفعال هؤلاء على تيارٍ فكري بعينه، كونهم قد لا يمثلونه بحق. ومن المؤكد أن أخذ الكل بجريرة البعض جريمة، ننكرها على القاصي والداني، خاصة وأن أشد من عانى من هذا التجريم هم نحن كمسلمين، والذين يصرّ العالم بأجمعه اليوم على معاقبتهم على أفعالٍ ارتكبها من ينتمون زوراً لهم.

إن من الظلم الشديد أن نظن، أن التخلف والتأخر أصاب فئة المتدينين حصراً، وأنه جافى تيارات فكرية أخرى. لقد نال التخلف منا جميعاً، وعلى الجميع -دون استثناء- نفض غبار التخلف عن كواهلهم، والسعي لنقد أنفسهم قبل نقد غيرهم، وأن لا يظنن أحدٌ أنه بمنأى عن نوائب التأخر والتردي الحضاري والفكري.

بعد أن بدا لي ما بدا، من سذاجة وسطحية المشرفين على تلك الصفحة التي تعنى بـ"المبدعين الفلسطينيين"، أو على الأقل كما يزعمون؛ وبعد أن بدت رسالتهم المسمومة بائنة بينونة شمس الظهيرة، قمت -غير آسف بالمرة- بإلغاء متابعتي لتلك الصفحة، بما يمليه علي فكري وضميري.