الجريمة الكاملة

blogs - حسني مبارك
بضحكات ساخرة وكلمات مقتضبة، علق مبارك على الحكم ببراءته في مكالمة هاتفية أجرتها معه إحدى وسائل الإعلام الإلكترونية، ولم ينس أن يذكر في كلماته المقتضبة حبه لمصر، ضحكات كانت بمثابة إسدال الستار على مشهد عبثي ساذج ظل طيلة سنوات يعرض برتابة وملل وبطء مقزز، رغم أن النهاية كانت معروفة مسبقا.

لم يكن ينقص هذا المشهد الهزلي سوى مشهد الفنان عادل إمام في نهاية فيلم "الغول" عندما برأ قاضي المحكمة المتهم نشأت فهمي الكاشف ابن رجل الأعمال المعروف، من التهم المنسوبة إليه بناء على قانون الإجراءات الجنائية، فما كان من الصحفي المشاغب عادل عيسى – عادل إمام – إلا أن صرخ في وجه القاضي متسائلا: قانون الإجراءات الجنائية أم قانون ساكسونيا!

قانون ساكسونيا، ذلك القانون الذي كان يطبق فى ولاية "ساكسونيا" الألمانية والذي ينص على أنه إذا ارتكب أحد العامة جريمة قتل فإن العقوبة تكون بقطع رقبته، أما إذا كان الجاني أحد النبلاء فإن العقوبة تكون قطع رقبة ظله، أي أنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.

دفاع مبارك أكد في تصريحات صحفية أن حكم البراءة بني على أسباب في مقدمتها أن جهاز الشرطة لم يرتكب جرائم القتل والشروع في القتل بحق المواطنين، وأن هذه الجرائم ارتكبها عناصر من الإخوان وحركة حماس وحزب الله وعناصر إجرامية أخرى وفقا لمخطط دولي، وأن الرئيس وقتها لم يكن بإمكانه فعل شيء، لذلك دعك يا صديقى من المشاهد التي عشتها بنفسك، ودعك من تلك المشاهد التي كانت ملء السمع والبصر، وكانت تظهر بوضوح كيف استخدمت الشرطة في ذلك الوقت الرصاص الحي، إلى جانب عمليات الدهس المختلفة.

إن أردتم دليلا فلتبحثوا في رؤوس وصدور وأعين شباب خرجوا من أجل وطن ينشدونه حرا مستقلا، ولتبحثوا عنه في أرصفة صبغتها دماء الأحرار باللون الأحمر، ابحثوا عنه في آهات الجرحى.

في صباح الثلاثاء 19 أبريل عام 2011، نشرت الصحف المصرية المختلفة النص الكامل لملخص تقرير لجنة تقصي الحقائق برئاسة المستشار عادل قورة، والتي أكدت أن رجال الشرطة أطلقوا الرصاص الحي في مواجهة المتظاهرين، وبالقنص من أسطح المباني المطلة على ميدان التحرير، وأكدت اللجنة في تقريرها أن الشرطة قد استخدمت القوة المفرطة في مواجهة المتظاهرين السلميين، وأن دليل ذلك كثرة الشهداء والمصابين وأماكن الإصابات التي كان أغلبها في الرأس والصدر، وهي إن لم تقتل فقد شوهت الوجه وأتلفت العيون، وقد ساقت اللجنة العديد من النقاط التي تؤكد إدانة هذا النظام ورأسه، إلى جانب تناول التقرير لحوادث اقتحام السجون ومعركة الجمل وغيرها من الأحداث الهامة في هذه الفترة، ومن يود الاطلاع على التقرير يمكنه بضغطة زر أن يصل إليه.

دائما ما كنا نقرأ أن الجريمة من الصعوبة أن تكون كاملة، فالمجرم لا بد وأن يترك وراءه خيطا يصل به إلى العقوبة التي يستحقها، غير أن قتل المتظاهرين في ميادين مصر المختلفة بات جريمة مكتملة، فالنتيجة في النهاية أن الأوراق التي تم تقديمها قد خلت من أي أدلة تثبت تورط النظام السابق في القتل أو حتى التحريض على القتل، فبات العادلي ومساعديه براءة، ومبارك ورؤوس نظامه براءة، ويبقى الشعب المصري هو الجاني والمجني عليه، فهو من قتل وأفسد ودمر وزرع في النفوس الخوف والضعف والعجز، وربما كانت الحياة وردية غير أن ثورة قد أخطأت الطريق فاستقرت فى ميادين مصر المختلفة وقد آن لها أن تنتهي.

إن أردتم دليلا فلتبحثوا في رؤوس وصدور وأعين شباب خرجوا من أجل وطن ينشدونه حرا مستقلا، ولتبحثوا عنه في أرصفة صبغتها دماء الأحرار باللون الأحمر، ابحثوا عنه في آهات الجرحى، وصرخات الأمهات المكلومات، ابحثوا عن الدليل فقد تجدونه في جدران كانت لها آذان في عهده! وقد تجدونه أيضا بين ضحكاته الساخرة! ذلك فقط إن أردتم!