في ذكرى رحيل الشيخ حسن الترابي

تمر بيننا في هذه الأيام الذكرى الأولى لرحيل الشيخ حسن الترابي وكعادة الرجال العظماء فإن الجدل في سيرتهم يستمر في حياتهم وحتى بعد مماتهم. ورطة الترابي في أنه مفكر وسياسي في وقت واحد فالمفكرين لا يدفعون ثمنا باهظا لأفكارهم ما لم يقرعوا باب السياسة، وقد دفع الترابي ثمنا باهظا تمثل في اعتقالات متتالية نالت من قوته ولم تنل من عزيمته، فقد ظل ينطق بأفكاره إلى أن مات غير خائف ولا مكترث بأحد.
 

كان الشيخ رحمه الله يختار أن يكون في المقدمة ليقود الجماهير لا لكي تقوده الجماهير كما يفعل بعض السياسيين الساذجين الذين يتفاخرون بأن الشارع سبقهم لاتخاذ القرارات الحاسمة. فاختار معارضة عبود أولا ثم نميري من داخل الخرطوم وناله من الاعتقال ما ناله ثم اختار التحالف مع البشير ثم معارضته مع بعد قرارات رمضان 1420هـ غير مكترث لتلاميذه الذين أغراهم بريق السلطة فتحالفوا مع العسكر.
 

كان الشيخ رحمه الله مدرسة في العمل الإسلامي -ربما لا أكون من مؤيديها- تؤمن بالعمل السياسي كأفق للتغيير والإصلاح وتعتبر أن القوة هي إحدى أدوات التغيير السياسي المتاح وأن بعض القوة في فرض ما يعتبره حقا هي مبررة فكل النظم والدول تبدأ بقوة ثم تبسط بعد ذلك الحريات.

المؤسف أن بعض الدعاة من أبناء الحركة الإسلامية وقعوا في عرض الشيخ الترابي وكفروه متأثرين بتحريفات بعض المداخلة والجامية لكلامه أو متأثرين ببعض من كانت لهم عداوة ومنافسة شخصية مع الشيخ في حياته.

كان الشيخ الترابي من أشد الساخطين على منهج الاستكانة الذي يتبناه الإخوان المسلمين ورغم أن الشيخ -رحمه الله- كان متقدما جدا في الفقه السياسي والقانوني فقد كان يكره كلمة الدولة المدنية التي يرددها بعض الإسلاميين ويبغضها ويرى أنها ليست سوى جسر للعلمانية وأن على الإسلامي تبني الدولة الإسلامية كشعار أوحد لا خيار غيره. ويضاف إلى ذلك فالشيخ كان يضيق ذرعا برفض بعض الإسلاميين ويرى أن هذا الرفض ما هو إلا بسبب سوء فهمهم للديمقراطية، ولذلك فالديمقراطية والشورى عند الترابي كلمتان مترادفتان تماما ولذلك فقد كان يحرص على جعل الديمقراطية قرينة للشورى فما كان يذكر إحداهما حتى يأتي بالأخرى.
 

لقد كانت قضية المرأة من القضايا التي كرس لها الدكتور حسن الترابي حياته لقد وجد الترابي أن هناك مسافة ما بين تعاليم الدين الإسلامي الموجودة في القرآن ووضع المرأة الموجود في كتب التراث فرأى أن الموجود في كتب التراث ما هو إلا تأثر بالمحيط والعادات والتقليد وأن الدين يحض المؤمنين والمؤمنات على مبدأ الولاية في الدين قال تعالى "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم".

فرأى الترابي أن الآية تدل على التساوي التام بين المؤمنين والمؤمنات في مبدأ الولاية في الدين وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا ما أهمله غيره من قادة الحركات الإسلامية الذين يتمتعون بعقلية تراثية سلفية، فهم وإن قبلوا بالمرأة فإنهم يقبلون بها على مضض وفي ذيل قوائمهم حتى لا يفوز أكبر عدد من النساء المنتمين إلى نفس الحزب. فلو أخذنا إخوان مصر -أعرق الحركات الإسلامية- سنجد أنهم في برلمان 2011م الذي سيطروا عليه كان لهم 200 نائب رجالي ونائبتان من السيدات فقط!
 

لقد التفت الدكتور حسن الترابي إلى مشكلة الفكر الإسلامي المعاصر فوجد جذرها يرجع إلى أصول الفقه فدعى لتجديد أصول الفقه الإسلامي وذلك بتطبيق حرفي لما قاله الإمام الشافعي عن عدم تساوي منزلة القرآن مع السنة وأن للقرآن الأولوية على السنة وإلغاء مقولة الإمام يحيى بن أبي كثير -رحمه الله- المشهورة والتي تقول أن السنة قاضية على القرآن ومهيمنة عليه. فقد كان الترابي يرى أن القرآن قاضي على السنة ومهيمنا عليها ومع ذلك فالسنة تبين الكتاب وتقيده وتخصصه وكذلك أصل الإجماع، فقد كان الشيخ رحمه الله يرى أن إجماع الصحابة لم يعد كافيا وأن الأمة تحتاج لإجماع من نوع آخر لحسم قضايا خلافية فدعى لوجود مجمع ملزم للجميع تلتزم الناس بقراراته وأحكامه مستلهما فكرة أهل الحل والعقد الموجودة في أبواب السياسة الشرعية.
 

إن المؤسف أن بعض الدعاة من أبناء الحركة الإسلامية وقعوا في عرض الشيخ وكفروه متأثرين بتحريفات بعض المداخلة والجامية لكلامه أو متأثرين ببعض من كانت لهم عداوة ومنافسة شخصية مع الشيخ في حياته. ورغم أنني لا أنكر أنه كانت للشيخ شطحات لا أقبلها إلا أن تلك الشطحات تظل مسائل في الفروع التي يسوغ فيها الاجتهاد ولم تكن تلك من قضايا أصول الدين ونفس الأقوال التي كفروا بها الترابي قالها كثير من العلماء القدماء والمعاصرين ولكن لم يكن لهؤلاء العلماء دور سياسي مثل الترابي ليتم التحريض ضدهم بسبب هذه الفتاوى ويتم تصنيف الكتب وعقد المجامع لتكفيرهم.



حول هذه القصة

قال الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي في السودان إبراهيم السنوسي لبرنامج “لقاء اليوم” إن أفكار ومبادئ زعيم الحزب الراحل حسن الترابي باقية، مشيرا إلى أن “المنظومة الخالفة” تنتظر إطلاق الحريات.

فقد العالم العربي والإسلامي عام 2016 أسماء ونجوما بارزين في سماء المعرفة والعلم والفكر والصحافة، تركوا بصمة وخلدتهم مؤلفاتهم العديدة، ومنهم حسن الترابي ومطاع الصفدي وجورج طرابيشي.

30/12/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة